رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢١٩ - الدليل الثاني القرآن
في هذه الآية الشريفة يأمر اللَّه- تعالى- بالعدالة بشكل مطلق وكلّي، ومن الواضح أنّ المقصود من العدل والعدالة هنا ليس هو المحدود في دائرة الامور الماليّة والاقتصاديّة، بل المقصود هو العدل في جميع الامور، فالعدل بمعناه الواسع هو المراد للَّهتعالى، ويستفاد الوجوب من كلمة «يأمر» بصورة جيّدة.
بعض العلماء ذهب في تفسير الآية الشريفة إلى أنّ المراد بالعدل هنا: أداء الواجبات، والمراد بالإحسان: هو الإتيان بالمستحبّات [١]، بينما ذهب آخرون إلى أنّ العدل: هو التوحيد، والإحسان: هو أداء الأعمال الواجبة [٢]. وذهب فريق ثالث إلى أنّ العدل: هو تناغم الظاهر مع الباطن، والإحسان: هو أن يكون باطن الشخص أفضل من ظاهره [٣].
ولكن بما أنّ الآية الشريفة لم تحدّد المراد من العدالة في أيّ من هذه المعاني المذكورة، فيستفاد أنّ مقصود الآية هي العدالة بمعناها الواسع كما تقدّم. والملاحظة التي تستدعي التدبّر في الآية الشريفة هي: هل المستفاد من كلمة «يأمر» هو الوجوب التكليفي، أو الوجوب الإرشادي؟
وبعبارة اخرى: أنّ من المحتمل أن يكون الأمر الإلهي في هذه الآية الشريفة أمراً إرشاديّاً، وخاصّة إذا أخذنا بتفسير العدل على أساس أنّه أداء الواجبات، فمن الواضح: أنّ أداء الواجبات لا يمكن أن يكون أمراً تكليفيّاً، بل هو أمر إرشاديّ.
وفي الجواب عن ذلك يمكن القول: بأنّ الدقّة في كلمة «يأمر» تستدعي الوجوب التكليفيّ، ولا أقلّ من الوجوب بالمعنى الأعمّ من التكليفي والإرشادي؛ يعني أنّ أحد الواجبات الشرعيّة والإلهيّة، إيجاد العدالة وتحقّقها في المجتمع
[١] التبيان في تفسير القرآن ٢: ٤١٨، روض الجِنان وروح الجَنان ١٢: ٨٤.
[٢] جامع البيان ١٤: ١٩٨، الدر المنثور ٥: ١٤٠، روح المعاني ١٤: ٦٠٩- ٦١٠، مجمع البيان ٦: ١٨٠.
[٣] مجمع البيان ٦: ١٨٠، روح المعاني ١٤: ٦٠٩- ٦١٠، تفسير نمونة ١١: ٣٦٨.