رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٣٧ - 7- الفقيه، والاستقلال في عمليّة الاستنباط
تحقّقت منه الاستطاعة الماليّة، ولكنّه لم يتمكّن من الذهاب إلى الحجّ للشيخوخة، أو المرض، أو وجود العدوّ، ففي صورة اليأس واستقرار الحجّ قبل العذر، ذهب جماعة منهم: كصاحب المسالك [١]، والروضة [٢]، والمفاتيح [٣] إلى لزوم الاستنابة، وادّعوا على ذلك الإجماع أيضاً، مضافاً إلى الاستدلال بالروايات.
ولكنّ النراقي قدس سره ناقش في الإجماعات، وفي الروايات أيضاً، وأخيراً قال: فالأقرب إذن ما يقتضيه الأصل؛ وهو عدم الوجوب، وبالتالي يرى استحباب النيابة في هذه الصورة [٤].
فيستفاد من هذا المثال بصورة جيّدة أنّ تبحّر النراقي ودقّت نظره تتجلّى في عدم استسلامه للإجماعات بسهولة، ولا يقبل بالتفسير الذي يذكره الفقهاء للرواية، بل يدرس الرواية بصورة مستقلّة، وفي هذه المسألة نفسها يرى بونٌ شاسع بين استنباط النراقي قدس سره، واستنباط الفاضل الهندي في «كشف اللثام» [٥]؛ الذي كان يعيش قبل النراقي قدس سره بمائة عام.
الثاني: من الامور التي يجب الأخذ بها بنظر الاعتبار في دائرة الاستقلال في الاستنباط هو: أنّ الفقيه لا يكتفي باستدلال الأصحاب على حكم معيّن، بل في الموارد التي كان في وسعه إضافة دليل آخر يقوم بذلك.
وبعبارة أُخرى: أنّه لا ينبغي للفقيه في مقام الاجتهاد والاستنباط أن يكتفي بالأدلّة التي ذكرها الآخرون في إثبات المطلوب، حيث يمكن أن يكون هناك دليل لم يلتفت إليه القوم، وأساساً فإنّ فنّ الاجتهاد يتبلور ويتجلّى في هذا البُعد من
[١] مسالك الأفهام ٢: ١٣٨.
[٢] الروضة البهيّة ٢: ١٦٧.
[٣] مفاتيح الشرائع ١: ٢٩٨.
[٤] مستند الشيعة ١١: ٧٠- ٧٤.
[٥] كشف اللثام ٥: ١١٢- ١١٤.