رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١١٨ - 4، 5- تحقّق الكذب والغيبة بالكتابة
وقال الشيخ أحمد الجزائري:
الأمر بكتابة الدين؛ لئلّا يذهب المال بطول المدّة، وعند عروض النسيان، أو الموت، ويكون قاطعاً لسبيل النزاع في الزيادة والنقصان، فالأمر حينئذٍ يكون هنا للإرشاد، وعند بعضهم أنّه للندب، وعند آخرين أنّه للوجوب، والأخير ضعيف؛ لأصالة عدمه، ولاستمرار السلف على تركه غالباً، ولعموم قوله عليه السلام: «الناس مسلّطون على أموالهم» [١] يفعلون بها كيف شاءوا، وهذا ظاهر [٢].
أقول: كلامه في إرشاديّة الأمر جيّد، إلّاأنّ الاستدلال لعدم الوجوب بأصالة العدم غير صحيح؛ لأنّه يقال في مقابله: الأصل عدم الاستحباب، مع أنّ ظاهر صيغة الأمر يدلّ على الوجوب، ومع وجود هذا الظاهر لا وجه للاستدلال بالأصل، وكذلك الاستدلال بحديث السلطنة غير تامّ؛ لما ثبت في محلّه من أنّ الحديث ليس مشرّعاً، والسلطنة إنّما هي على الأموال لا على الأحكام، على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري [٣]، وهو الحقّ وإن خالفه في ذلك بعض، كالسيّد اليزدي- على ما هو ببالي- في حاشيته [٤]، فراجع.
وقال بعض المعاصرين: إنّ القرآن قد أتى بأرقى مبادئ الإثبات في العصر الحديث؛ وهي الكتابة على ما نصّ به في آية التداين، ولكن لمّا كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك- لغلبة الأُميّة- لم يستطع الفقهاء إلّاأن يسايروا حضارة عصرهم، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلى مقام تنزل عنه الكتابة نزولًا بيّناً. ومن العجب أنّ عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت
[١] عوالي اللئالي: ١/ ٢٢٢ ح ٩٩ و ص ٤٥٧ ح ١٩٨، وج ٣/ ٢٠٨ ح ٤٩.
[٢] قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام ٢: ٢٥٨.
[٣] المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) ٣: ٨٧.
[٤] حاشية كتاب المكاسب ٣: ٤٤٩.