رسائل - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٦٤ - النكتة الثانية موارد استعمال لفط «التحريف» وأنواعه
وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة، إمّا من عثمان أو من كتّاب تلك المصاحف، ولكنّا سنبيّن بعد هذا إن شاء اللَّه- تعالى- أنّ ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين، الذي تداولوه عن النبيّ صلى الله عليه و آله يداً بيد. فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنّما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان، وأمّا القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة.
وجملة القول: إنّ من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف- كما هو الصحيح- فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأوّل؛ إلّاأنّه قد انقطع في زمان عثمان وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبيّ صلى الله عليه و آله. وأمّا القائل بتواتر المصاحف بأجمعها، فلابدّ له من الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل، وبضياع شيء منه. وقد مرَّ عليك تصريح الطبري، وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف الستّة التي نزل بها القرآن، واقتصاره على حرف واحد [١].
الرابع: التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفّظ على القرآن المنزل، والتسالم على قراءة النبيّ صلى الله عليه و آله إيّاها.
والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً، فالبسملة مثلًا ممّا تسالم المسلمون على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قرأها قبل كلّ سورة غير سورة التوبة، وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنّة، فاختار جمع منهم أنّها ليست من القرآن [٢]، بل ذهبت المالكيّة إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلّاإذا نوى به المصلّي الخروج من الخلاف، وذهب جماعة أُخرى إلى أنّ البسملة من القرآن.
وأمّا الشيعة، فهم متسالمون على جزئيّة البسملة من كلّ سورة غير سورة
[١] البيان في تفسير القرآن: ١٧٩- ١٨٠.
[٢] التفسير الكبير للفخر الرازي ١: ١٧٢- ١٧٨، روح المعاني ١: ٥٣، مجمع البيان ١: ٢١.