فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤٢ - بحث في موضوع حدّ المحارب آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
الأرض وأنّه بعطف ذلك على المحاربة يذعن الناس بأنّ عمل هؤلاء ـ وهو محاربتهم بحسب الفرض وقتالهم للمسلمين ـ بلغ مبلغاً يستحقّون به المجازاة المذكورة ، ممنوع جدّاً ؛ إذ أي مرتكز عقلائي في باب الفساد في الأرض يقضي بأنّ حكمه وجزاءه القتل ، بل بالعكس كون الحرب والمحاربة جزاؤها ذلك أوضح في المرتكز العقلائي ، والظاهر أنّ هذه ارتكازات متشرعية ناشئة من الأحكام الشرعية وفي طولها ، فلا ينبغي جعلها منشأً للاستظهار من الآيات الكريمة ، كما هو واضح .
وثانيــاً :أنّ مبنى الاستظهار المذكور ـ كما اعترف به ـ كون الافساد في الأرض المعطوف على المحاربة أعمّ منه مطلقاً ، وأنّه من عطف العامّ على الخاصّ ، فلا يكون من باب الجمع بين أمرين ، بل من باب ذكر العلّة والنكتة العامّة بعد ذكر مصداق منه خاصّ .
إلاّ أنّ هذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه ؛ لما تقدّم من أنّه ليس كلّ معصية إفساداً في الأرض كما أنّه ليس كلّ محاربة سعياً في الأرض فساداً ، ولهذا تقدّم عن المفسّرين أنّ الجملة الثانية مقيّدة ومخصّصة للمحاربة بما يكون للإفساد في الأرض ، فيخرج قتال الكفّار والبغاة عن المحاربة .
الاحتمـــال الثــالث :
وهكذا يتعيّن الاحتمال الثالث ، وهو أن يكون الموضوع للمجازاة في الآية مجمع العنوانين والقيدين كما هو مقتضى واو العطف . ولكن ليس المقصود اشتراط فعلين وصدور جريمتين خارجاً بأن يحارب اللّه ورسوله ويسعى فساداً في الأرض ، بل الموضوع فعل واحد يكون مصداقاً للعنوانين .
وإن شئت قلت : إنّ السعي في الأرض فساداً قيد للمحاربة لا للمحارب وأنّ المحاربة قيد للإفساد في الأرض لا للمفسد ، فكما لا يكون في الآية فاعلان مستقلاّن كذلك ليس فيها فعلان كذلك بل فعل واحد يتّصف بأنّه محاربة وسعي للفساد في الأرض في نفس الوقت .