فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤٠ - بحث في موضوع حدّ المحارب آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
الثانية {وَيَسْعَوْنَ فِي الْْإَرْضِ فَسَاداً} بمثابة التعليل للاُولى ، فيكون المدار على العلّة . وقد أفاد بعض المعاصرين في توضيح ذلك : « فذكر المحاربة أوّلاً وعطف السعي في الفساد في الأرض عليه ثانياً في مقام بيان سرّ جعل هذه الأنواع من المجازاة يدلّ على أنّ الدور الأساسي في مقام العلّية إنّما هو لعنوان ( السعي في الأرض فساداً ) وأنّه هو الموجب التامّ لترتّب الأنواع المذكورة من المجازاة عليه ، فإذا تحقّق هذا العنوان ولو مجرّداً عن عنوان المحاربة كفى في ترتّب الحدود المذكورة عليه .
إن قلــت : هذا إنّما يتمّ لو اقتصر على عنوان ( السعي في الأرض فساداً ) وأمّا إذا لم يقتصر عليه ، بل ذكر أوّلاً عنوان ( المحاربة للّه والرسول ) ثمّ عطف عليه السعي في الفساد في الأرض بواو العطف الدالّة على الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه ، فقد كان مفاده أنّ علّة هذه المجازاة وسرّها اجتماع الأمرين : المحاربة للّه ورسوله ، والسعي في الأرض فساداً ، فلا يكفي في ترتّبها مجرّد الافساد في الأرض .
قلــت : إنّما كان إلى ما ذكرت سبيل لو كان بين العنوانين تباين ولو جزئياً ، وأمّا إذا كان العنوانان أعمّ وأخصّ مطلقاً وكان العطف من باب عطف العامّ على الخاصّ فلا محالة ليس المقام من باب الجمع بين أمرين ، بل من باب ذكر ما هو السرّ الحقيقي الواضح العامّ بعد ذكره بمصداق منه خاصّ .
توضيحه : أنّ المخاطب بالآية المباركة والملقى إليهم هذه الآية حيث كان العقلاء وعامّة الناس فذكر الصلة الاُولى أعني محاربة اللّه ورسوله وإن كان كافياً في بيان علّة المجازاة المذكورة ، فإنّه أي عمل أشنع وأوجب للمجازاة والعذاب من محاربة اللّه تعالى ؟ ! إلا أنّ عامّة الناس لا يلتفتون إلى عظم هذا الذنب ، فإذا عطف عليه السعي في الأرض فساداً ـ الذي هو في مرتكز العقلاء كافٍ لأنواع المجازاة المذكورة ـ أذعن الناس بأنّ عمل هؤلاء بلغ مبلغاً يستحقّون به المجازاة المذكورة ، فهذا هو ما نفهمه من السرّ لعطف هذا العام على الخاصّ » (٦٩).
(٦٩)الكلمات السديدة : ٤٠٩ـ ٤١٠.