فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤٤ - بحث في موضوع حدّ المحارب آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
ثمّ إنّه لو فرض أنّ عنوان الافساد في الأرض كان في نفسه عاماً يشمل كلّ ما يكون ، إفساداً لأوضاع الناس والمجتمع ولو لم يكن بنحو الظلم والتعدّي على الأموال والأنفس ، بل بإفساد أخلاقهم أو توزيع الأفيون والمخدّرات بينهم أو إيجاد الفتنة والارجاف بينهم أو غير ذلك ـ خلافاً لما استظهرناه في البحث السابق ـ مع ذلك قلنا في المقام حيث إنّ جملة {وَيَسْعَوْنَ فِي الْْإَرْضِ فَسَاداً} جعلت في الآية بياناً لكيفيّة المحاربة والغرض منها ، فلا محالة يتقيّد معناها بالإفساد الخاصّ بقرينة المحاربة ؛ لأنّ المحاربة التي تكون بقصد الإفساد في الأرض تساوق لا محالة من يشهر السلاح للإخلال بالأمن وسلب المال أو النفس أو نحوهما ، فلا يعمّ الأنحاء الاُخرى من الإفساد التي لا تناسب المحاربة وشهر السلاح ولا تكون غاية لها عادة . وهذا يعني أنّ كلّ واحد من القيدين في الآية المباركة يقيّد إطلاق الآخر ، فكما أنّ إرادة الإفساد في الأرض يقيد إطلاق المحاربة ويخرج منها المحاربة بنحو البغي والخروج عن الإسلام أو طاعة الحاكم الإسلامي كذلك المحاربة يقيد إطلاق الإفساد في الأرض ـ لو فرض إطلاق فيه ـ عن سائر أنحاء الإفساد في المجتمع ويعيّنه في سلب الأمن ونهب المال والنفس ونحوهما ؛ لأنّه الذي يكون في المحاربة وشهر السلاح .
والمتحصّل من مجموع ذلك : أنّه لا يستفاد من هذه الآية المباركة أكثر ممّا دلّت عليه الروايات الخاصّة ـ على ما سيأتي التعرّض لها في الجهة القادمة ـ وأفتى به فقهاء الإسلام من اختصاص هذا الحدّ والجزاء المذكور فيها بالمحارب الاصطلاحي ، وهو من شهر السلاح وأخاف الناس بقصد الافساد في الأرض .
النقطة الثالثة :قد يستدلّ بالآية السابقة لهذه الآية وهي قوله تعالى : {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْْإَرْضِ...} (٧٠)على أنّ عنوان الإفساد في الأرض بنفسه موضوع لجواز القتل .
ويلاحــــظ عليه :
أوّلاً :أنّ عنوان الإفساد في الأرض لم يقع في هذه الآية موضوعاً للحكم بالقتل ليتمسّك بإطلاقه ، وإنّما أخذ عدمه قيداً في موضوع حرمة القتل وأنّ من
(٧٠) المائدة : ٣٢.