فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢١١
وخروجه منها ، إلاّ ما نُقل من سفره إلى نيسابور سنة ( ٣٤٠هـ ) . وممّا يعزّز وجوده ببغداد وتوطّنه فيها شهادة تلميذه الشيخ المفيد الذي أكّد وجوده فيها وحلوله في جواره وعودته إليها بعد سفره لنيسابور (١٦). وبعد هذا التصريح من الشيخ المفيد بحلوله ووجوده في بغداد ، فلا نجد محملاً لما ذكره بعض أعاظم أهل الفنّ (١٧)من التشكيك في وجوده وسكناه في بغداد من دون استناد لدليل ـ معترضاً على ما ذكره العلاّمة المامقاني (١٨)الذي صرّح بسكناه في بغداد وإن لم يستدلّ لذلك بشيء ـ ومثله ما أوردته بعض مصادر ترجمته من أنّه من أهل الري (١٩). على أنّ جملة مشايخه والرواة عنه كانوا ببغداد أيضاً ، كالشيخ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون ( ابن الحاشر ) والعاصمي والشلمغاني وغيرهم .
وقد كانت بغداد آنذاك ـ وهي ثقل العالم الإسلامي وعاصمة الخلافة ـ تشهد احتداماً سياسياً وعلميّاً ومذهبيّاً حادّاً انعكست تفاصيله على مجمل الحياة البغدادية بشكل خاصّ ، وعلى العالم الإسلامي بشكل عامّ ، حيث ضعفت الدولة العبّاسيّة وتشتّت أمرها ، وتسلّط اُمراء الأقاليم على أقاليمهم ، بل لم تسلم بغداد عاصمة الخلافة من نفوذهم وقبضتهم بعد انتقال القدرة ( الحقيقيّة ) فيها إلى بني بويه إثر قدوم معزّ الدولة البويهي لبغداد وعزله المستكفي الخليفة العبّاسي ، وتنصيب ابن المقتدر المطيع للّه محلّه شكليّاً .
ولا ريب أنّ تغيّر اتّجاه الولاء في السلطة إلى العلويّين عن طريق بني بويه حرّك الولاءات القديمة لبني العبّاس من قِبل مؤيّديهم . . . وممّا زاد الوضع وخامة وأدّى إلى تفاقم الحال فيه ، نشوب الحرب الداخلية بين اُمراء أطراف الممالك الإسلامية كاُمراء بني حمدان في الموصل والبريديّين وبني بويه (٢٠).
وقد تأثّر البُعد المذهبي والعلمي للمجتمع البغدادي بهذه الأوضاع ، حيث بدأت الخصومات والانقسامات المذهبية تدبّ فيه ، إثر إعلان بني بويه حريّة الشعار الحسيني ، وإحياء ذكرى واقعة كربلاء ، بل ومشاركتهم فيها شخصياً ، وكذا الاحتفاء بيوم الغدير ، ممّا جرّ الأمر إلى وقوع الخصومات وربّما الفتن والقلاقل بين
(١٦)المسائل الصاغانية ضمن مؤلّفات الشيخ المفيد ٣: ٥٦ـ ٥٧.
(١٧)قاموس الرجال : الرقم ٦٣٥٤، ط ـ مؤسّسة النشر الإسلامي ، ولم نحدّد الجزء والصفحة لكون النسخة المنقول عنها كانت في طريقها إلى الطباعة .
(١٨)تنقيح المقال ٢ : ٦٩(باب محمّد).
(١٩)الأعلام للزركلي ٦ : ٢٠٣.
(٢٠)انظر : تاريخ الإسلام السياسي ٣ : ٤٤فما بعد .