فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٤٧ - الوطن الشرعي ومقياس تعدّد الوطن آية الله السيد كاظم الحسيني الحائري
وقد حمل على ذلك صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع الماضية : سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته ؟ فقال : لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيّام ، إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه . فقلت : ما الاستيطان ؟ فقال : « أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر ، فإذا كان كذلك يتمّ فيها متى دخلها »(١٩).
أقول: إنّ حمل الاستيطان على معنىً فرضيٍّ واعتباريٍّ بحت خلاف الظاهر جدّاً ، وبحاجة إلى قرينة قويّة ، وفرقٌ بين حمل الكلمة على فرد اعتباريّ فرضيّ بحت ، وبين حملها على تدخّل شرعيّ في المصاديق العرفيّة كمصداق الملك حيث أبطلت الشريعة ملكيّة الخمر أو الخنزير مثلاً ، أو التدخّل في التحديد ببعض الحدود المشكِّكة كتحديد كثير الشكّ بالشكّ في كلّ ثلاث مرّات ونحو ذلك .
فالظاهر أنّ التدخّل في المقام من هذا القبيل ، فلا إشكال في أنّ الاستيطان بحاجة عرفاً إلى مقدار من السكن ، وهو مقدار مشكّك ، فتدخّلت الشريعة بجعل مقداره ستّة أشهر .
ويشهد لذلك ـ كما عن بعض الأعاظم كالمحقّق الهمدانيّ (رحمه الله) ـ التعبيرُ بصيغة المضارع في المفسَّر والمفسِّر الظاهرة في معنى الدوام حيث قال : ... إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه ... ، وفسّر الاستيطان بأن يكون له منزل يقيم فيه ستّة أشهر ... ، وهذا يعني : أنّ الاستيطان أو المقام ستّة أشهر يكون دائميّاً وفي كلّ سنة .
ومن الطريف ما أجاب به السيّد الخوئيّ (رحمه الله) عمّا ذكرناه من مسألة التعبير بصيغة المضارع : من أنّ الوجه في التعبير بصيغة المضارع أنّه كان المفروض بالرجل عدم الاستيطان أو المقام ستّة أشهر حتّى الآن ، فعبّر بصيغة المضارع ، أي : ما دام أنّه لم يفعل ذلك في الماضي فعليه أن يفعل ذلك في المستقبل حتّى يصبح البلد وطناً له ، فهذا نظير ما لو فرضنا أنّه قال : ( امرأة في دارنا لها زوج ولها ابنة صغيرة ، وإنّني مبتلى بالنظر إلى شيء من بدنها أو لمسه بغير شهوة ؟
(١٩) راجع المصدر السابق : ٢٤٦ ـ ٢٤٨ .