فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٧ - حوار مع الاُستاذ السيد كمال الحيدري التحـريـر
فإذا قلنا إنّه لا يوجد هكذا التزام ديني ، فينتج أنّ الحوزات العلمية بالتبع غير معنيّة بذلك ، بل الدين يعطي معايير عامة كمبدأ العدالة مثلاً ، أمّا أنّ هذه العدالة هل تتحقق بالنظام الديمقراطي أو بالنظام الفردي ؟ فهذا ما أوكل الدين شأنه إلى التجربة الإنسانية ، ومن خلال نظرية « الصواب والخطأ » نصل إلى ما يفيد المجتمع ويخدمه .
هذه مقدمة مهمة ، فإذا قَبِلْنا بأنّ للدين نظرياته في مجال الاجتماع والسياسة والحياة بكل مجالاتها ، فلا شك أنّ مفسري الدين هم الذين يقومون بذلك ، فإذا لم يتدخل هؤلاء لأي سبب من الأسباب ( موضوعية ومنطقية كانت أو غير موضوعية ) وسكتوا عن ذلك ، فهل يعني ذلك أنّ الآخرين سوف يسكتون عن ذلك ؟ من المؤكد لا ؛ لأنّ هذه القضايا حياتية تتطلب إجابات ومعالجات محددة ، وحركة الحياة لا تتوقف بسكوتنا ، والغير سوف لا ينتظرنا ، بل سيقدّم نظرياته وقراءاته في هذه المجالات باسم الدين ، وليس من حقنا أن نحظر عليه هذه القراءة ، بل من حق الشخص أن يقدّم قراءته الخاصة ، ولكن ليس بإمكانه منع الآخرين من ذلك ، وهذا ما حصل ، حيث قدّم بعض المفكرين قراءاتهم في هذه المجالات ، مثل الجابري ونصر حامد أبو زيد وشحرور وعلي حرب في العالم العربي ، وسروش في إيران .
فإذا تكلمنا على الاتجاه الأوّل كان معنى ذلك أنّ الإسلام لم يتعامل مع هذه المجالات ؛ وذلك لطبيعتها السيّالة غير الثابتة ، وليس لقصور فيه ، بعكس العبادات فإنّها اُمور ثابتة ، أو أنّه لم يتدخل في ذلك لكي لا يكبح تطور البشرية وتجاربها الحسيّة ، أي أنه أتاح الفرصة للبشرية في ممارسة دورها .
وهذا كلّه معناه أنّ المناهج الدراسية الحوزوية يجب أن تنسجم مع هذ الإطار الفكري ليتحدّد الموقف سلفا وتقوم المناهج الحوزوية على هذا الإطار لاحقا ، وهذا ما يلزم توجيه طالب العلم به وتعريفه برسالة الدين وحدودها