بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٤٢ - الآية السابعة الاستدلال على الطاهرية و المطهرية من الأحداث و الأقذار و بيان بعض المفردات في الآية
الآية السابعة [الاستدلال على الطاهرية و المطهرية من الأحداث و الأقذار و بيان بعض المفردات في الآية]
قال تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ أنفال ١١.
المشهور عند المفسرين ان الآية نزلت في غزوة بدر و قد نزل المشركون على الماء و نزل المسلمون على كثيب تسيخ فيه أقدامهم و هم كانوا على خوف و اضطراب حين رأوا كثرة المشركين و عدتهم (بكسر العين) و عدتهم (بضم العين) مع قلة عدتهم و ضعف عدتهم و كان لهم فرسان و سبعون جملا يتعاقبون عليها- القصة- فسلط الله عليهم النعاس و انزل الله الأمن و الطمأنينة على قلوبهم و احتلم أكثرهم في تلك الليلة فأنزل الله عليهم من السماء ماء فسالت الوادي و جعل المسلمون الحياض و الغدر ان فشربوا و اغتسلوا من الجنابة فاطهروا من القذارات و تلبدت الأرض و نبتت عليها أقدامهم.
قوله تعالى مٰاءً الكلام فيه بعينه الكلام في الآية السابقة قوله تعالى لِيُطَهِّرَكُمْ الظاهر في الآية بحسب الإطلاق هي الطهارة من الأحداث و الأقذار، و الفرق بين هذه الآية و سابقتها أن السابقة ظاهرة في الطاهرية و المطهرية و هذه نص فيهما.
قوله تعالى رِجْزَ الشَّيْطٰانِ الرجز بالضم و الكسر القذارة كما في قوله تعالى الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (المدثر- ٥) و الشرك و العذاب و عبادة الأوثان و الظاهر ان جميع هذه المعاني من مصاديق الرجز و افراده و لا مانع من تعميم الرجز الى جميعها الا ان المورد يتأبى بحسب الظاهر عن صدق الآية و تعميمها الى غير الأحداث و الأقذار التي يتطهر منها بالماء.
هذا ان قلنا انه عطف تفسير و توضيح لقوله تعالى لِيُطَهِّرَكُمْ، و حينئذ يكون المراد من رجز الشيطان الحدث بالجنابة و القذارات الحاصلة بالاحتلام فعليه يترتب و يتفرع قوله تعالى وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ بقوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً و هذا هو الظاهر من الآية و قيل المراد من رجز الشيطان العذاب و الوسوسة التي يلقيها إليهم و يوجب لهم الحزن و الخوف على ما هو المشهور في شأن النزول من تمثل الشيطان لهم فعلى هذا يكون عطفا على قوله تعالى أَمَنَةً و مترتبا و متفرعا على قوله تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ.
قوله تعالى وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ ربط القلوب إنزال الأمن في قلوبهم و تشجيعها و سكونها بما وعد الله تعالى على رسوله و أوليائه المجاهدين كي يثبتوا في مواقع الطعن و الضرب و يصبروا صبر الكرام الأحرار في إعزاز اسم الله الكريم و إعلاء كلمته سبحانه.
قوله تعالى يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ و الظاهر ان الضمير راجع الى الربط اي ربط القلوب و يثبت به أقدام المجاهدين بطمأنينة قلوبهم الزكية و عزيمة نفوسهم الطاهرة