نكت النهاية - المحقق الحلي - الصفحة ٢٠ - آثاره و مئاثره
على حالها دون زيادة حرف و لا نقيصة حرف، لوجودها في المجاميع القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأصول قبل تاريخ إحراق المكتبة بسنين كثيرة، حيث ألف جمع من أعاظم العلماء كتبا متنوعة، و استخرجوا جميع ما في كتبهم من تلك الأصول و غيرها مما كان في المكتبات الأخرى، و تلك الكتب التي ألفت عن تلك الأصول موجودة بعينها حتى هذا اليوم، و أكثر أولئك استفادة من تلك المكتبة و غيرها شيخ الطائفة الطوسي (رحمه الله) عليه لأنها كانت تحت يده و في تصرفه، و هو زعيم الشيعة و مقدمهم يومذاك، فلم يدع كتابا فيها إلا و عمد الى مراجعته و استخراج ما يخص مواضيعه منه.
و هناك مكتبة اخرى كانت في متناول يده، و هي مكتبة أستاذه السيد المرتضى الذي صحبه ثمان و عشرين سنة، و كانت تشتمل على ثمانين ألف كتاب سوى ما اهدي منها إلى الرؤساء كما صرح به كل من ترجم له، و ذلك أحد وجوه تلقيبه بالثمانيني.
نعم كان شيخ الطائفة متمكنا من هاتين الخزانتين العظيمتين، و كأن الله ألهمه الأخذ بحظه منهما قبل فوات الفرصة، فقد اغتنمها أجزل الله أجره، و غربل كوم الكتب فأخذ منها حاجته و ظفر فيها بضالته المنشودة، و ألف كتابيه الجليلين «التهذيب» و «الاستبصار» اللذين هما من الكتب الأربعة، و المجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثنى عشرية منذ عصر مؤلفه حتى اليوم، و ألف أيضا غيرهما من مهام الأسفار قبل أن يحدث شيء مما ذكرنا، و كذا غيره من الحجج، فقد أجهدوا نفوسهم و تفننوا في حفظ تراث آل محمد عليه و (عليهم السلام)، فكان لهم بحمد الله ما أرادوا.
و هكذا استقى شيخ الطائفة مادة مؤلفاته من تصانيف القدماء، و كتب في كافة العلوم من الفقه و أصوله، و الكلام و التفسير، و الحديث و الرجال، و الأدعية و العبادات، و غيرها، و كانت و لم تزل مؤلفاته في كل علم من العلوم مئاخذ علوم الدين بأنوارها يستضيئون و منها يقتبسون و عليها يعتمدون.