نكت النهاية - المحقق الحلي - الصفحة ١٤١ - «شعره و أدبه»
من ظله و شملهم من فضله، و أباحهم من مراتعه و سوغهم من شرائعه، ليستمر نفاق سوقهم و يشمروا للاجتهاد فيه عن سوقهم، دلت ألفاظه الكريمة على استدعاء ما يكون تذكرة لأهل الوداد و عهدا يجدد به ما اختلقته يد العباد، فعند ذلك أحببت أن أدخل فيمن سارع الى امتثال أوامره لأكون في جملة من شرفه بذكره و تخطره بخواطره، فأقول:
إن الشعر من أفضل مشاعر الأدب و أجمل مفاخر العرب، به تستماح المكارم و تستعطف الطباع الغواشم، و تشحذ الأذهان و تستل الأضغان، و يستصلح الرأي الفاسد و تستثأر الهمم الجوامد، لكنه عسر المطلب خطر المركب، لافتقاره إلى أمور غريزية و اخرى كسبية، و هي شديدة الامتناع بعيدة الاجتماع، فالمعتذر عن التعرض له معذور و المعترف بالقصور عنه مشكور، و قد كنت زمن الحداثة أتعرض لشيء منه ليس بالمرضي فكتبت أبياتا الى والدي- (رحمه الله)- أثنى فيها على نفسي بجهل الصبوة، و هي:
ليهنك أني كل يوم إلى العلى * * * أقدم رجلا لا تزل بها النعل
و غير بعيد أن تراني مقدما * * * على الناس طرا ليس في الناس لي مثل
تطاوعني بكر المعاني و عونها * * * و تنقاد لي حتى كأني لها بعل
و يشهد لي بالفضل كل مبرز * * * و لا فاضل إلا و لي فوقه فضل
فكتب- (رحمه الله)- فوق هذه الأبيات ما صورته:
لئن أحسنت في شعرك لقد أسأت في حق نفسك، أما علمت أن الشعر صناعة من خلع العفة و ليس الحرفة، و الشاعر ملعون و إن أصاب، و منقوص و إن أتى بالشيء العجاب، و كأني بك قد أوهمك الشيطان فضيلة الشعر، فجعلت تنفق ما تلفق بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره فسموك به، و كان ذلك وصمة عليك آخر الدهر، ألم تسمع:
و لست أرضى أن يقال شاعر * * * تبا لها من عدد الفضائل
فوقف خاطري عند ذلك حتى كأني لم أقرع له بابا و لم أرفع له حجابا، و أكد