مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٥٨ - كتاب الدين و توابعه
مقتضى تلك المعاملة مما فيه جور أو بخس] أي لا يغير و لا يبدل، فيكون تأكيدا لسابقه أو أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللّه بتعليمها، كقوله «وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اللّٰهُ إِلَيْكَ».
و ظاهر النهي تحريم امتناع الكاتب، و هو يقتضي وجوبها عليه، الا أن ظاهر الأكثر الوجوب كفاية لكونها في معنى الشهادة، و لأنها من باب التعاون على البر و التقوى، و لأنها من الأمور العامة البلوى، و استلزام إهمالها الخلل بنظام العالم، فتكون مستحبة بالنسبة الى كل واحد كما هو شأن الواجب كفاية، و يؤيده تنكير كاتب. و لأن الفرض هو الكتابة من أي شخص يتأتى منه ذلك لا خصوصه.
و قيل كانت واجبة عينا فنسخت بقوله «وَ لٰا يُضَارَّ كٰاتِبٌ وَ لٰا شَهِيدٌ» و هو بعيد «فَلْيَكْتُبْ» تلك الكتابة التي علمه اللّه، أمر بها بعد النهي عن الإباء عنها تأكيدا للحث عليها. و يجوز أن يتعلق الكاف بهذا الأمر [و التقدير و لا يأب كاتب أن يكتب، و هنا يتم الكلام ثم قال بعده كما علمه اللّه فليكتب] فيكون النهي عن الإباء مطلقا ثم الأمر بالكتابة مقيدة. و فيه من المبالغات ما لا يخفى، إذ الجمع بين النهي عن الترك و الأمر بالفعل ادعى الى فعله من الاقتصار على أحدهما.
«وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ» و ليكن المملل من الذي عليه الحق، لأنه المشهود عليه فيعتبر إملاله في ذلك و لا ينفع إملال غيره، لأن الغرض الشهادة على ما في ذمته و الإملال و الإملاء واحد. و يستفاد منه وجوب الإقرار من صاحب الحق بما عليه منه حتى يشهد عليه.
«وَ لْيَتَّقِ اللّٰهَ رَبَّهُ» في الإملال، فلا ينقص من الحق الذي في ذمته شيئا لا من قدره و لا من صفته، بل يجب عليه الإقرار بما كان في ذمته. و فيه تحذير عظيم من ترك الإقرار بما عليه من الحق كملا. و أكد بقوله «وَ لٰا يَبْخَسْ مِنْهُ» و لا ينقص من الحق الذي عليه «شَيْئاً».
و يحتمل رجوع الأمر بالاتقاء الى الكاتب، و يكون المراد بالبخس منه عدم نقصانه في الكتابة مما املى عليه، و هو في معنى الكتابة بالعدل.