مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٠٥ - النوع الثاني عشر الوصية
فقلت: يا رسول اللّه أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: النصف؟ قال: لا. قلت: الثلث؟
قال: الثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم- الخبر] و لا يصل في القلّة بحيث يتجاوز الحد فان من ملك الكثير فأوصى لأقربائه مثلا بدرهم لم يكن وصية بالمعروف.
و يحتمل أن يرجع إلى الموصى لهم، على أنه أمر بطريق العدل لا نحو أن يوصى للغنى و يترك الفقير أو يوصى للبعيد و يترك القريب. و لا يبعد الحمل على جميع ذلك لصلاحية اللفظ له.
«حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» مصدر مؤكد لمضمون الجملة، أي حق ذلك حقا ثابتا على الذين يتقون من المعاصي، فكأنهم خصوا بعد فهم التعميم من «عليكم» لشرفهم و كثرة انتفاعهم.
و قد اختلف في كون الآية منسوخة أو محكمة [فذهبت الحنفية بل أكثر العامة إلى كونها منسوخة].
قال في الكشاف [١] ان الوصية كانت في بدء الإسلام واجبة فنسخت بآية المواريث، و لقوله [٢] (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «ان اللّه أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث».
[١] الكشاف ج ١ ص ٢٢٤.
[٢] أخرجه في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج ٦ ص ٤٣ و فيه انه أخرجه الخمسة إلا النسائي قال في المنار ج ٢ ص ١٣٨: فقد علم مما تقدم ان آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم انها بعدها و اما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه بتلقى الأمة له بالقبول ليصلح ناسخا.
على انه لم يصل الى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه احد منهما مسندا و رواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة و أبي امامة و ابن عباس و في اسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه و انما حسنه الترمذي لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين و قد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة.
و حديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه و قد قيل انه عطاء الخراساني و هو لم يسمع من ابن عباس و قيل عطاء بن أبى رباح فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه و ما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن ابى رباح موقوف على ابن عباس و ما روى غير ذلك فلا نزاع في ضعفه.
فعلم انه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة و الذي صححها هو الترمذي و هو من المتساهلين في التصحيح و قد علمت ان البخاري و مسلم لم يرضياها فهل يقال ان حديثا كهذا تلقته الأمة بالقبول انتهى.
قلت و أقر ابن حجر في فتح الباري ج ٦ ص ٣٠١ بان اسناد كل منها لا يخلو عن مقال.