مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٦١ - كتاب الدين و توابعه
الأمر بالاستشهاد، و القبول من الحاكم باب آخر.
«أَنْ تَضِلَّ إِحْدٰاهُمٰا» علة لاعتبار العدد، أي التعدد [في النساء و قيام امرأتين مقام رجل واحد] لأجل أن إحداهما ان ضلت الشهادة و نسيتها «فَتُذَكِّرَ إِحْدٰاهُمَا الْأُخْرىٰ». و العلة في الحقيقة التذكير، و لكن لما كان الضلال سببا له، نزل منزلته كقولك «أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه». و التقدير إرادة ان تذكر إحداهما الأخرى ان ضلت.
و فيه اشعار بنقصان عقلهن و قلة ضبطهن و قصورهن عن مراتب الرجال [لكثرة الرطوبة و البرودة في أمزجتهن فيغلب عليه النسيان] و قرأ حمزة «إن تضل» بكسر الهمزة على الشرطية «فتذكر» بالرفع، و ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب «فتذكر» من الأذكار.
بقي شيء و هو أن ظاهر الآية يقتضي حصر الشاهد في الرجلين أو الرجل و المرأتين فلا يجوز الاكتفاء بغيرهما. و الذي عليه أصحابنا [١] قبول الشاهد الواحد مع اليمين [و هو قول الشافعي، و أنكره أبو حنيفة محتجا بظاهر الآية] و يمكن أن يقال ذلك ثبت بدليل خارج عن الآية كالإجماع و الاخبار [الدالة عليه، و قد روى العامة [٢] عنه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قضى بالشاهد و اليمين] فلا اشكال.
[١] بل ليس قبول الشاهد الواحد مع اليمين مخالفا لظاهر الآية أيضا فإن اللّه تعالى انما أمر في هذه الآية أصحاب الحقوق ان يحفظوا حقوقهم بشاهدين أو شاهد و امرئتين و لم يأمر الحكام أن يحكموا به فضلا عن ان يكون قد أمرهم ان لا يقضوا الا بذلك و طريق الحكم شيء و طريق حفظ الحقوق شيء آخر و لا تلازم بينهما فالآية انما وردت في التحمل و لهذا قال عز و جل (أَنْ تَضِلَّ).
و قبول الشاهد الواحد مع اليمين في مقام الأداء مع انه لو فرض كون الآية مسوقة لحكم الأداء أيضا لم تكن دالة على الحصر الا بمفهوم العدد و لا يقول به احد و أبو حنيفة لا يقول بالمفهوم أصلا و انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج ٢ من ص ٥٠- ٥٤.
[٢] انظر سنن البيهقي ج ١٠ من ص ١٦٨- ١٧٦ و سنن ابى داود ط ١٣٦٩ بتذييل محمد محيي الدين عبد الحميد ج ٣ من ص ٤١٩- ٤٢١ و سنن ابن ماجه ط دار الكتب العربية ص ٧٩٣ و سنن الترمذي ط دهلي ١٦٠ و الام للشافعي ط ١٣٨١ ج ٦ من ص ٢٥٤- ٢٥٦ و مختصر المزني المطبوع بعد ج ٨ من الام من ص ٣٠٥- ٣٠٧ و شرح النووي على صحيح مسلم ج ١٢ ص ٤ و شرح الزرقانى على الموطإ ج ٣ ص ٣٨٩- ٣٩٥ و المنتقى للباجى المالكي شرح الموطإ ج ٥ ص ٢٠٨ و نيل الأوطار ج ٨ ص ٢٩٢- ٢٩٧.