مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٣٦ - البحث عن اليتامى
من نيته أن لا يرده فهو بالمنزل الذي قال اللّه عز و جل «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً».
و فيه نظر، فإنه لو وجب رده مع اليسار لكان واجبا في ذمته قبله، إذ اليسار ليس سببا للوجوب فإذا لم يجب بسبب الأكل لم يجب بعده. و الفرق بينه و بين المضطر واضح، فإنه لم يأكله عوضا عن شيء بخلاف ما هنا. و الرواية غير واضحة الصحة [١]، مع أنه يمكن حملها على ضرب من التأويل جمعا بين الأدلة.
و ذهب بعض العامة الى عدم جواز أخذ شيء منه لا على سبيل القرض و لا على سبيل الابتداء، لعموم قوله «وَ آتُوا الْيَتٰامىٰ أَمْوٰالَهُمْ». و فيه نظر، فإنها عامة و ما نحن فيه خاص، و هو مقدم.
«فَإِذٰا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ» بأنهم قبضوها، فان ذلك أبعد عن التهمة بأكل مال اليتيم و أنفى للخصومة. و مقتضى الأمر الوجوب، و ربما حمله بعضهم على الاستحباب. و قيل انه للإرشاد إلى ما هو المصلحة إذ معه لا يترتب الضمان على الوليّ لو أنكر اليتيم التسليم و لا يرد أنّه لو علم ان بترك الاشهاد يترتب الضمان وجب حذرا من تضييع المال، لان ذلك انما علم من دليل خارج.
و استدل الشافعية بهذه الآية على ان القيم لا يصدق في دعواه انه قد دفع المال الى اليتيم إلا بالبينة. و عليه أصحابنا، فإنهم قالوا دعوى القيم ان كانت تسليم المال الى اليتيم فلا يقبل إلا بالبينة، و ظاهر الآية صريح فيه و ان كان غيره كادعاء التلف أو الإنفاق على قدر الكفاية، فإن القول في ذلك قول القيم مع يمينه و لا يكلف البينة في هذه المواضع لتعذر إقامتها، فإن اطلاع الشاهدين على الإنفاق في كل يوم متعسر، و لأنه يوجب تنفر الناس عن قبول الوصاية.
و قالت الحنفية: إذا ادعى الوصي بعد بلوغ اليتيم انه قد دفع اليه المال كان مصدقا بيمينه كسائر الامناء. و فيه نظر، فإنه أمين من جهة اليتيم، و ليس له نيابة عامة كحاكم الشرع و لإكمال الشفقة كالأب، فلا وجه لتصديقه. و تمام ما يتعلق بذلك
[١] ففي سندها سهل بن زياد و قد عرفت غير مرة صحة السند من اجله.