أرجوزة في الفقه - السبزواري، الملا هادي - الصفحة ٣٧٢ - سرّ
فالعبد ليس مالكا للذات * * * فضلا عن الأفعال و الصّفات
لكن إذا جاوز شيء حدّه * * * كالنور و القرب استبان ضدّه
و توحيد (صفة) و توحيد (ذات صعد). يعني إنّ للتوحيد مقامات، فإنّ الموحّد ينبغي أن يرى كلّ فعل مستغرقا في فعل اللّه تعالى و كلّ صفة كمال مستهلكة في صفته، بل كلّ وجود مستهلكا في وجوده.
(فالعبد ليس مالكا للذات) أي الوجود (فضلا عن) مالكيّة (الأفعال و الصّفات)، إذ الإيجاد فرع الوجود، فالشيء ما لم يوجد لم يوجد.
(لكن إذا جاوز شيء حدّه- كالنور و القرب- استبان ضدّه).
هذه مقدّمة عرفانيّة، أنّه إذا جاوز الشيء حدّه- أي بلغ إلى أقصى النهاية- انعكس إلى ضدّه، فالشيء إذا بلغ في النوريّة و الظهور إلى أقصى المراتب انعكس إلى الخفاء، كنور الأنوار- بهر برهانه- و الشمس اشتدّ نوريّته استصعب رؤيته و لم يجز تحديقه، و في الدعاء [١]: «يا من خفي من فرط ظهوره، و استتر بشعاع نوره».
و إذا بلغ في القرب أقصى المراتب استبان البعد، كما مرّ أنّ الحقّ أقرب الأقارب و يحول بين المرء و قلبه، و يتراءى للغافل المحجوب أنّه أبعد الأباعد، و الفقر إذا جاوز حدّه بأن يكون الفقير في كلّ فعل و صفة و تقوّم وجوده و ذاته محتاجا إلى الغنيّ المغني، انعكس إلى الغني، كما قيل: «نهاية الفقر بداية الغنى». فالعبد إذا لم يملك شيئا- لا فعلا و لا صفة كمال و لا وجود- يكون مولى، لكن بمولويّة المولى الحقيقي، لا بمولويّة أخرى، حذرا من الشرك الخفيّ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ* [٤/ ٤٨ [و لهذا
[١] في البحار (٩٤/ ٤٠٣، ٥): «. اللهم إني أسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه.».