اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٤ - 3 ـ النظرية بما هي عامّة
فسيولوجياً، كما يفسّر تحلّب اللعاب عند الكلب تماماً ، فأفكار الإنسان كلّها استجابات لمختلف أنواع المنبّهات . وكما أنّ تقديم الطعام إلى الكلب منبّه طبيعي يستثير استجابة طبيعية ـ وهي سيلان اللعاب ـ كذلك توجد بالنسبة إلى الإنسان منبّهات طبيعية تُطلِق استجابات معيّنة ، اعتدنا أن نعتبرها ألواناً من الإدراك . وتلك المنبّهات التي تطلّق هذه الاستجابات هي الإحساسات الداخلية والخارجية . وكما أنّ دقّ الجرس اكتسب نفس الاستجابة التي يُحدثها تقديم الطعام إلى الكلب بالاقتران والاشتراط ، كذلك توجد أشياء كثيرة اقترنت بتلك المنبّهات الطبيعية للإنسان فأصبحت منبّهات شرطية له ، ومن تلك المنبهات الشرطية : كلّ أدوات اللغة . فلفظة ( الماء ) ـ مثلاً ـ تطلق نفس الاستجابة التي يطلقها الإحساس بالماء بسبب اقترانها واشتراطها به ، فالإحساس بالماء أو الماء المحسوس : منبّه طبيعي ، ولفظ ( الماء ) منبّه شرطي ، وكلاهما يُطلقان في الذهن استجابة من نوع خاص .
وقد افترض بافلوف لأجل ذلك نظامين أشاريين :
أحدهما : النظام الإشاري الذي يتكوّن من مجموعة المنبّهات الطبيعية والمنبّهات الشرطية التي لا تتدخّل فيها الألفاظ .
والآخر : النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبّهات شرطية ثانوية ، فهي منبهات ثانوية أُشرطت بمنبّهات النظام الإشاري الأوّل ، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة استجابات شرطية معيّنة .
والنتيجة التي تنتهي إليها آراء ( بافلوف ) هي : أنّ الإنسان لا يمكنه أن يفكّر بدون منبّه ؛ لأنّ الفكر ليس إلاّ استجابة من نوع خاص للمنبّهات . كما أنّه لا يتاح له الفكر العقلي المجرّد ، إلاّ إذا وجدت بالنسبة إليه منبّهات شرطية اكتُسبت عن طريق اقترانها بالإحساسات ، نفس الاستجابات التي تطلقها تلك الأحاسيس . وأمّا إذا بقي الإنسان رهن إحساساته فلا يستطيع أن يفكّر تفكيراً مجرّداً ، أي أن