اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٧ - 2- الفكر والماركسية
الكون على أسس فلسفية تجريّدية [١] ، وقد أثبت ذلك يوم كانت وسائل الإنتاج ثابتة بشكلها التقليدي على مرّ الزمن ، وكان كلّ شيء في الحياة الاجتماعية ساكناً ثابتاً ، غير أنّ الدليل الفلسفي دفع فيلسوفنا الشيرازي إلى التأكيد على قانون التطوّر في الطبيعة بالرغم من ذلك كلّه .
فلا علاقة حتمية ـ إذن ـ بين المفاهيم الفلسفية والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة .
وهناك شيء آخر له مغزاه الخاص بهذا الصدد ، وهو أنّ الوضع الاقتصادي لقوى الإنتاج وعلاقاته لو كان هو الأساس الحقيقي الوحيد لتفسير الحياة العقلية للمجتمع بما فيها الأفكار الفلسفية ، لكانت النتيجة الطبيعية لذلك أنّ التطوّرات الفلسفية تواكب في حركتها التقدّمية تطوّر الوضع الاقتصادي ، وتجري وفقاً لحركة التكامل في علاقات الإنتاج وقواه ، ويصبح من الضروري ـ بموجب ذلك ـ أن تنبع الاتجاهات التقدّمية في الفلسفة ، وأن تتوّلد الثورات الفلسفية الكبرى في أرقى المجتمعات من الناحية الاقتصادية ، فيكون نصيب كلّ مجتمع من التفكير التقدّمي والفلسفة الثورية بمقدار حظّه من التطوّر الاقتصادي والسبق في ظروف الإنتاج وعلاقاته . فهل تنسجم هذه النتيجة مع الواقع التأريخي للفلسفة ؟ هذا ما نريد معرفته الآن .
ولنأخذ حالة أوروبا عندما لاحت في الأفق الأوروبي تباشير الثورة الفكرية الجديدة . فقد كانت إنكلترا تتمتّع بدرجة عالية نسبياً من التطوّر الاقتصادي لم تظفر بنظيرها فرنسا ولا ألمانيا ، وكان الشعب الإنكليزي قد ظفر بمكاسب سياسية خطيرة لم يكن قد حصل على شيء منها الشعب الفرنسي
[١] الأسفار الأربعة ٣ : ٦١ ـ ٦٧ ، الفصل ١٩ و ٢٠ .