اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٠٤ - التداول
الاقتصادية كواسطة بين الإنتاج والاستهلاك ، وأصبحت واسطة بين الإنتاج والادخار . فالبائع ينتج ويبيع ويبادل منتوجه بنقد ليدّخر هذا النقد ويضمه إلى ثروته المكتنزة ، والمشتري يقدّم النقد إلى البائع ليحصل على السلعة التي يبيعها ، ثمّ لا يتمكّن هو بعد ذلك أن يبيع منتوجه بدوره ؛ لأنّ البائع اكتنز النقد وسحبه من مجال التداول .
ونتج عن ذلك أيضاً اختلال كبير في التوازن بين كمّية العرض وكمّية الطلب : ذلك أنّ العرض والطلب كانا يميلان إلى التساوي في عصر المقايضة ؛ لأنّ كلّ مُنتِج كان يُنتج لإشباع حاجاته واستبدال الفائض عن حاجته بسلع أخرى يحتاجها في حياته من غير النوع الذي ينتجه . فالمنتوج دائماً يوازي حاجته ، أي : أنّ العرض دائماً يجد طلباً مساوياً له ، وبذلك تتّجه أثمان السوق إلى درجتها الطبيعية ، التي تعبّر عن القيم الحقيقية للسلع وأهمّيتها الواقعية في حياة المستهلكين .
وبعد أن بدأ عصر النقد وسيطر النقد على التجارة ، واتّجه الإنتاج والبيع اتجاهاً جديداً حتى أصبح الإنتاج والبيع لأجل اكتناز النقد وتنمية الملك لا لأجل إشباع الحاجة ، عند ذلك يختلّ طبعاً التوازن بين العرض والطلب ، وتلعب دواعي الاحتكار دورها الخطير في تعميق هذا التناقض بين العرض والطلب ، حتى أنّ المحتكر قد يخلق طلباً كاذباً فيشتري كلّ أفراد السلعة من السوق لا لحاجته إليها بل ليرفع ثمنها ، أو يعرض السلعة بأثمان دون كلفتها ؛ بقصد إلجاء المنتجين والبائعين الآخرين إلى الانسحاب من ميدان التنافس وإعلان الإفلاس .. وهكذا تتّخذ الأثمان وضعاً غير طبيعي ، ويصبح السوق تحت سيطرة الاحتكار ، ويتهاوى آلاف البائعين والمنتجين الصغار كلّ حين بين أيدي المحتكرين الكبار الذين سيطروا على السوق .