اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٣ - 2- الفكر والماركسية
ومن المفيد بهذا الصدد أن نعلم أنّ الثورة العلمية في الكيمياء التي قام بها ( لافوازيه [١] ) لم يقبلها الناس عامة إلاّ في نهاية القرن الثامن عشر [٢] ، وقد استطاعت الفنون العملية خلال ذلك إجراء تحسينات في صناعة الحديد وصناعة الفولاذ قبل أن يعرف هؤلاء الفنّانون الفروق الكيمياويّة الأصليّة بين الحديد الصلب والحديد المطاوع والفولاذ ، تبعاً لاختلاف نسبة الكربون فيها .
وهذا الانفصال بين خطّ التفكير العلمي والخبرة البحتة في الفنون العملية ردحاً من الزمن يعني أنّ للعلم تأريخه الفكري وليس نتاجاً لحاجات الإنتاج المتجدّدة ، واستجابة لمستلزماتها الفنّية فحسب .
وأمّا ما لاحظه ( غارودي ) من أن كشفاً علمياً واحداً قد يصل إليه عدّة علماء في وقت واحد ... فهو لا يبرهن على أنّ الكشوف العلمية دائماً وليدة الظروف التكنيكية لوسائل الإنتاج ، كما شاءت الماركسية أن تستنتجه من هذه الظاهرة زاعمةً : أنّ الظروف الاقتصادية والمادّية حين تسمح لقوى الإنتاج بطرح قضية جديدة إلى العلماء وتدفعهم إلى التفكير في حلّها ، يصل هؤلاء العلماء إلى الكشف المطلوب في أوقات متقاربة ؛ لأنّ القوة الدافعة لهم قد وُجدت في وقتٍ واحد من خلال تطوّر الإنتاج .
ولكن هذا ليس هو التفسير الوحيد الممكن لهذه الظاهرة ، بل من الممكن تفسيرها عن طريق تشابه أولئك العلماء في الخبرة والشروط الفكرية والسيكولوجية والمستوى العلمي العام .
[١] اسمه أنطوان لوران لافوازيه ( ١٧٤٣ ـ ١٧٩٤م ) ، كيميائي فرنسي يعتبر مؤسّس الكيمياء الحديثة . المورد ٦ : ٩٧ .
[٢] انظر : قصّة الحضارة ٣٧ : ١٩٠ ـ ١٩٦ .