اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٧ - 2- الفكر والماركسية
الناس بأخطائه التي كان يكافح في سبيلها ، ويعرضها بوصفها معاجز التفكير الحديث .
وأمّا إذا كانت تعني الماركسية من الموقف الحزبي : أنّ كل فرد ينتمي إلى طبقة ويدافع عن مصالحها ينساق دون قصد إلى ما يتّفق مع مصالح تلك الطبقة من مفاهيم وآراء ، ولا يمكن أن يتجرّد عن وصفه الطبقي خلال البحث مهما حاول اصطناع النزعة الموضوعية وتكلّفها ، إذا كانت الماركسية تعني هذا ، فإنّه يؤدّي بها إلى النسبية الذاتية التي تحاربها دائماً .
ولعل القارئ يتذكّر النسبية الذاتية من بين المذاهب التي استعرضناها في نظرية المعرفة من ( فلسفتنا ) وهو المذهب القائل : بأنّ الحقيقة ليست مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي ، وإنّما هي مطابقة الفكرة للشروط الخاصة التي توجد في تركيب الفرد العضوي والنفسي ، فالحقيقة بالنسبة إلى كلّ شخص ما تتّفق مع تركيبه الخاص لا ما يطابق الواقع الخارجي ، وهي لأجل ذلك نسبية ذاتية ، بمعنى أنّها تختلف من فرد لآخر . فما هو حقيقة بالنسبة إلى شخص لا يكون كذلك بالنسبة إلى شخص آخر .
والماركسية تشنّ حملة عنيفة ضدّ هذه النسبية الذاتية ، وتعتبر الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع الموضوعي ، غير أن الواقع الموضوعي لمّا كان متطوّراً فالحقيقة التي تعكسه متطوّرة أيضاً ، فهي حقيقة نسبية ولكنّ النسبية هنا موضوعية ، تابعة لتطوّر الواقع الموضوعي ، وليست ذاتية تابعة للتركيب العضوي والنفسي للفرد المفكّر . هذا ما تقوله الماركسية في نظرية المعرفة ، ولكنّها بتأكيدها على الطابع الطبقي والحزبي للتفكير ، وعلى استحالة التجرّد من مصالح الطبقة التي ينتمي إليها المفكّر ، تسير في طريق النسبية الذاتية من جديد ؛ إذ تصبح الحقيقة هي مطابقة الفكرة للمصالح الطبقية للمفكّر لأنّ كلّ مفكّر لا يستطيع أن يدرك الواقع