اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٥ - 3 ـ النظرية بما هي عامّة
بسبب تعثّر علاقتها وتخفّيها مع ردود الفعل التي تؤثّر بها ، فإنّ عصرنا قد بسط هذه العلائق كثيراً ، بحيث أمكن حلّ اللغز ، فمنذ انتصار الصناعة الكبرى لم يعد خافياً على أحد في إنكلترا بأنّ النضال السياسي كلّه يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة ، ألا وهما : الأرستقراطية العقارية ، البرجوازية ) [١] .
ومعني هذا : أنّ ملاحظة الوضع الاجتماعي في فترة معيّنة من حياة أوروبا ، أو انكلترا خاصة ، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير أنجلز لليقين العلمي بأنّ العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي هو العامل الأساسي في التأريخ الإنساني كلّه ، بالرغم من أنّ فترات التأريخ الأخرى لا تكشف عن ذلك ؛ لأنّها غائمة معقّدة كما اعترف بذلك ( أنجلز ) نفسه ، فمشهد واحد من مشاهد التأريخ في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر استطاع أن يقنع الماركسية بأنّ القوى المحرّكة للتأريخ عبر عشرات الآلاف من السنين هي قوى العامل الاقتصادي ، يقنعها بذلك لا لشيءٍ ، إلاّ لأنّ هذا العامل هو الذي بدا لها أنّه مسيطر على ذلك المشهد التأريخي الخاص ، مشهد انكلترا في تلك الفترة المحدودة من تأريخها . مع أنّ سيطرة عامل معيّن على مجتمع في فترة خاصة ، لا تكفي للتدليل على سيطرته الرئيسية في كلّ أدوار التأريخ وفي كلّ المجتمعات ، إذ قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها وعواملها الخاصة . فيجب قبل إصدار الأحكام النهائية في حقّ التأريخ أن يُقارَن المجتمع الذي بدا العامل الاقتصادي مسيطراً عليه بالمجتمعات الأخرى ، حتى
[١] لودفيج فيورباخ : ٩٥ .