اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩٢ - اختلاف القوانين الاقتصادية عن سائر القوانين العلمية
ويستثمرها لصالح القضية الإنسانية الكبرى . فقد ورد في تأريخ تلك التجربة الذهبية : أنّ جماعة من غير ذوي اليسار والثروة جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قائلين :
يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجور ؛ يصلّون كما نصلّي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدّقون بفضول أموالهم . فأجاب النبيّ قائلاً :
( أوَليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به ؛ إنّ لكم بكلّ تسبيحة صدقة ، وبكلّ تكبيرة صدقة ، وأمرٌ بالمعروف صدقة ، ونهيٌ عن المنكر صدقة ) [١] .
فهؤلاء المسلمون الذين احتجّوا بين يدي الرسول (صلى الله عليه وآله) على واقعهم لم يكونوا يريدون الثروة بوصفها أداة من أدوات المِنعة والقوّة أو ضماناً لإشباع الرغبات الشخصية ، وإنّما عزّ عليهم أن يسبقهم الأغنياء في المقاييس المعنوية بألوان البِّر والإحسان ، وبالمساهمة في المصالح العامة على الصعيد الاجتماعي . وهذا يعكس مفهوم الثروة وطبيعة الإنسان المسلم في ظلّ تجربةٍ إسلاميةٍ كاملةٍ للحياة .
وجاء في وصف الإجارات والتجارات في المجتمع الإسلامي ما حدّث به الشاطبي ، إذ كتب يقول :
( نجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلاّ بأقلّ ما يكون من الربح أو الأجرة ؛ حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسباً لغيره لا له . ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم ، كأنّهم وكلاء للناس لا لأنفسهم ، بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم ـ وإن جازت ـ كالغش لغيرهم ) [٢] .
[١] مستدرك الوسائل ٧ : ٢٦٣ ، الباب ٤٩ من أبواب من أبواب الصدقة ، الحديث ١٠ ، مع اختلاف يسير .
[٢] الموافقات في أصول الشريعة ٢ : ١٣٤ ، المسألة الرابعة ، مبحث حظوظ المكلّف .