اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٢٦ - 2 ـ ظاهرة الطَّسق وتفسيرها نظرياً
حاجة مستنبطها. وأمّا الأرض فلمّا كانت بطبيعتها لا تسمح لانتفاع فردين بها في وقت واحد ، فقد شُرع الطَّسق الذي ينفقه الإمام على مصالح الجماعة ليتاح للآخرين الاستفادة عن هذا الطريق ، بعد أن حال الحقّ الخاص لصاحب الأرض الذي أحياها عن انتفاع الآخرين بتلك الأرض انتفاعاً مباشراً .
الثاني : أنّ نفسر الطَّسق بصورة منفصلة عن النظرية العامة للتوزيع ، وذلك على أساس أنّه ضريبة تتقاضاها الدولة لصالح العدالة الاجتماعية ؛ لأنّنا سوف نرى عند دراسة الأنفال ووظيفتها في الاقتصاد الإسلامي أنّ من أهم أغراض الأنفال في الشريعة الضمان الاجتماعي وحماية التوازن العام . وما دام الطَّسق يعتبر تشريعياً من الأنفال فمن المعقول أن يعتبر ضريبة نابعة من النظرية العامة في العدالة الاجتماعية وما تضمّ من مبادئ الضمان والتوازن العام . وإنّما اختصّت الأرض بهذه الضريبة الضخمة لأهميّتها ولخطورة دورها في الحياة الاقتصادية ، فَشُرِّعت هذه الضريبة وقاية للمجتمع الإسلامي من أعراض الملكيّة الخاصة للأرض ، التي منيت بها المجتمعات غير الإسلامية ، ومقاومة لمآسي الريع العقاري التي ضجّ بها تأريخ الأنظمة البشرية ، ودوره في إشاعة الفروق والتناقضات وتعميقها . ويشابه الطَّسق على هذا الأساس الخمس الذي فرض ضريبة على ما يستخرج من المعدن .
وفي النهاية وقد قدّمنا هذين التفسيرين النظريين لـ : ( الطَّسق ) ، يمكننا أن نردّ أحدهما إلى الآخر في نظرة أشمل وأوسع ، فنفسّر الطَّسق بأنّه ضريبة سمح للإمام بفرضها لأغراض الضمان والتوازن وحماية الأفراد الضعفاء في الجماعة ، ونفسر هذه الأغراض نفسها وحتميّة تنفيذها على الأفراد الأقوياء بما للجماعة من حقّ عام مسبق في مصادر الطبيعة ، يجعل لها على الأفراد الذين يحيون تلك المصادر ويستثمرونها الحقّ في حماية مصالحها وإنقاذ ضعفائها .