اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٨٢ - الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية
والتدخل في الشؤون الاقتصادية من الدولة يعني الوقوف في وجه الطبيعة وقوانينها ، التي كفلت للإنسانية رخاءها وحلّ جميع مشاكلها ، فكلّ محاولة لإهدار شيء من الحرّيات الرأسمالية تعتبر جريمة في حقّ القوانين الطبيعية العادلة . وهكذا انتهى بهم هذا القول : بأنّ تلك القوانين الخيّرة تفرض بنفسها المذهب الرأسمالي ، وتحتّم على المجتمع ضمان الحرّيات الرأسمالية .
غير أنّ هذا اللون من التفكير يبدو الآن مضحكاً وطفولياً إلى حدٍّ كبير ؛ لأنّ الخروج على قانون طبيعي علمي لا يعني أنّ هناك جريمة ارتكبت في حقّ هذا القانون ، وإنّما يبرهن على خطأ القانون نفسه ، وينزع عنه وصفه العلمي الموضوعي ؛ لأنّ القوانين الطبيعية لا تتخلّف في ظلّ الشروط والظروف اللازمة لها ، وإنّما قد تتغير الشروط والظروف ، فمن الخطأ أن تعتبر الحرّيات الرأسمالية تعبيراً عن قوانين طبيعية ، وتعتبر مخالفتها جريمة في حقّ تلك القوانين . فقوانين الاقتصاد الطبيعية تعمل ولا تكفّ عن العمل في جميع الأحوال ومهما اختلفت درجة الحرّية التي يتمتّع بها الأفراد في حقول التملك والاستغلال والاستهلاك ، وإنّما قد يحدث أن يختلف مفعول تلك القوانين تبعاً لاختلاف الشروط والظروف التي تعمل في ظلّها ، كما تختلف قوانين الفيزياء في آثارها ونتائجها طبقاً لاختلاف شروطها وظروفها .
فيجب إذن أن تدرس الحرّيات الرأسمالية لا بوصفها ضرورات علمية تحتّمها القوانين الطبيعية من وجهة رأي الرأسماليين حتى تكتسب بذلك الطابع العلمي ، وإنّما تدرس على أساس مدى ما تتيح للإنسان من سعادة وكرامة ، وللمجتمع من قِيم ومُثُل . وهذا هو الأساس الذي اتّبعه بعد ذلك علماء الاقتصاد الرأسمالي في دراسة الرأسمالية المذهبية .
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم الفرق الجوهري ـ الذي ألمعنا إليه في