اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٨٢ - الأحكام
من مصادر إنتاج ، وإنما يدرسون توزيع الثروة المنتجة فحسب ، أيّ الدخل الأهلي لا مجموع الثروة الأهلية . ويقصدون بالدخل الأهلي : مجموع السلع والخدمات المنتجة ، أو بتعبير أصرح : القيمة النقدية لمجموع المنتوج في بحر سنة مثلاً ، فبحث التوزيع في الاقتصاد السياسي هو بحث توزيع هذه القيمة النقدية على العناصر التي ساهمت في الإنتاج ، فيحدّد لكلّ من رأس المال ، والأرض ، والمنظّم ، والعامل ، نصيبه على شكل فائدة وريع ، وربح وأجور .
ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن تسبق بحوث الإنتاج بحث التوزيع ؛ لأنّ التوزيع مادام يعني تقسيم القيمة النقدية للسلع المنتَجة على مصادر الإنتاج وعناصره ، فهو عملية تعقب الإنتاج ، إذ ما لم تنتج سلعة لا معنى لتوزيعها أو توزيع قيمتها. وعلى هذا الأساس نجد أنّ الاقتصاد السياسي يعتبر الإنتاج هو الموضوع الأوّل من مواضيع البحث ، فيدرس الإنتاج أوّلاً ، ثمّ يتناول قضايا التوزيع .
وأمّا الإسلام فهو يعالج قضايا التوزيع على نطاق أرحب وباستيعاب أشمل ؛ لأنّه لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة ، ولا يتهرّب من الجانب الأعمق للتوزيع ، أي : توزيع مصادر الإنتاج ، كما صنعت الرأسمالية المذهبية ، إذ تركت مصادر الإنتاج يسيطر عليها الأقوى دائماً ، تحت شعار الحرية الاقتصادية ، التي تخدم الأقوى وتمهّد له السبيل إلى احتكار الطبيعة ومرافقها ، بل إنّ الإسلام تدخّل تدخّلاً إيجابياً في توزيع الطبيعة ، وما تضمنه من مصادر إنتاج ، وقسّمها إلى عدّة أقسام ، لكلّ قسم طابعه المميّز من الملكية الخاصة ، أو الملكية العامة ، وملكية الدولة ، أو الإباحة العامة .. ووضع لهذا التقسيم قواعده ، كما وضع إلى صف ذلك أيضاً القواعد التي يقوم على أساسها توزيع الثروة المنتَجة ، وصمم التفصيلات في نطاق تلك القواعد .
ولهذا السبب تصبح نقطة الانطلاق ، أو المرحلة الأولى في الاقتصاد