اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٧ - التداول
للتوزيع ، محدودة بحدود من القيم المعنوية والمصالح الاجتماعية التي يتبنّاها الإسلام .
* * *
هذه هي الصورة الإسلامية للتوزيع ، نستخلصها ممّا سبق ضمن هذه السطور :
ـ العمل أداة رئيسية للتوزيع بوصفه أساساً للملكية ، فمن يعمل في حقل الطبيعة يقطف ثمار عمله ويتملّكها .
ـ الحاجة أداة رئيسية للتوزيع بوصفها تعبيراً عن حقّ إنساني ثابت في الحياة الكريمة ، وبهذا تُكفل الحاجات في المجتمع الإسلامي ويضمن إشباعها .
ـ الملكية أداة ثانوية للتوزيع عن طريق النشاطات التجارية التي سمح بها الإسلام ضمن شروط خاصة لا تتعارض مع المبادئ الإسلامية للعدالة الاجتماعية ، التي ضمن الإسلام تحقيقها كما سيأتي في شرح التفاصيل .
التداول
التداول (المبادلة) أحد الأركان الأساسية في الحياة الاقتصادية ، وهو لا يقلّ أهمية عن الإنتاج والتوزيع ، وإن كان متأخراً عنهما تأريخياً . فإنّ الوجود التأريخي للإنتاج والتوزيع يقترن دائماً بالوجود الاجتماعي للإنسان ، فمتى وجد مجتمع إنساني فمن الضروري ـ ليواصل حياته ويكسب معيشته ـ أن يمارس لوناً من ألوان الإنتاج ، وأن يوزّع الثروة المنتجة على أفراده بأيّ شكلٍ من أشكال التوزيع التي يتّفق عليها ، فلا حياة اجتماعية للإنسان دون إنتاج وتوزيع .
وأمّا المبادلة فليس من الضروري أن توجد في حياة المجتمع منذ البدء ؛ لأنّ المجتمعات في بداية تكوينها تعيش على الأغلب لوناً من الاقتصاد البدائي المقفل ، الذي يعني : قيام كلّ عائلة في المجتمع بإنتاج كلّ ما تحتاج إليه دون الاستعانة بمجهودات الآخرين . وهذا اللون من الاقتصاد المقفل لا يفسح مجالاً للمبادلة ، مادام كلّ منتوج يستوعب بإنتاجه كل حاجاته البسيطة ويكتفي بما ينتجه من سلع ، وإنّما تبدأ المبادلة دورها الفعّال على الصعيد الاقتصادي ، حين تتنوّع حاجات الإنسان وتنمو وتتعدّد السلع التي يحتاجها في حياته ، ويصبح كلّ فرد عاجزاً بمفرده عن إنتاج كلّ ما يحتاجه من تلك السلع بأنواعها وأشكالها المختلفة ، فيضطر المجتمع إلى تقسيم العمل بين أفراده ، ويأخذ كلّ مُنتِجٍ ـ أو فِئة من المُنتجِين ـ بالتخصّص في إنتاج سلعة معيّنة من السلع المختلفة التي يحسن إنتاجها أكثر من غيرها ، ويشبع حاجاته الأخرى بمبادلة الفائض من السلع التي ينتجها بما يحتاجه من السلع التي ينتجها الآخرون ، فتبدأ المبادلة في الحياة الاقتصادية بوصفها وسيلة لإشباع حاجات المُنتجِين ، بدلاً عن تكليف كلّ منتج بإشباع حاجاته كلّها بإنتاجه المباشر .
وهكذا تنشأ المبادلة تيسيراً للحياة ، وتجاوباً مع اتساع الحاجات واتجاه الإنتاج إلى التخصّص والتطوّر .
وعلى هذا الأساس نعرف :
أنّ المبادلة في الحقيقة تعمل في الحياة الاقتصادية للمجتمع بوصفها واسطة بين الإنتاج والاستهلاك، أو بتعبير آخر بين المنتجين والمستهلكين . فالمنتج يجد دائماً عن طريق المبادلة المستهلك الذي يحتاج إلى السلعة التي ينتجها ، وهذا المستهلك بدوره ينتج سلعة من نوع آخر ويحصل في المبادلة على المستهلك الذي يشتريها .