اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٩ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
ممكنة بدون جهود معقّدة جسيمة ، وعمل واسع شامل لتنظيم جريان وفيضان الأنهر الكبيرة ، وتنظيم شؤون الري . فظهرت الدولة لتسيير الحياة الاجتماعية والإشراف على العمليات المعقّدة التي تتوقّف الحياة العامة عليها . ولأجل هذا نجد أن طائفة الإكليروس المصريين كانوا يتمتعون بمكانة عُليا في جهاز الدولة المصرية القديمة ؛ لا على أساس طبقي ، وإنّما على أساس الدور الخطير الذي لعبته معارفهم العلمية في نظام الزراعة المصرية .
وكذلك أيضاُ نجد أنّ رجال الكنسية تمتّعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية عندما دخل الجرمان في الدولة الرومانية أفوجاً متبربرة تلو أفواج ، إذ بدت الكنيسة ـ على إثر ما أدى إليه الغزو الجرماني من انهيار التعليم والثقافة ـ صاحبة الصدارة الفكرية في البلاد ، حيث صار الرجل من رجال الدين الكنيسي هو الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة ، والتكلم باللاتينية ، وهو الذي يفهم ـ دون غيره ـ حساب الشهور ، ويستطيع أن يمارس العمل الرتيب لتصريف شؤون الإدارة الحكومية ، بينما انصرف ملوك الجرمان والقادة العسكريون منهم إلى صيد الخنازير والإبل والغزال ، وخوض معارك الغزو والتخريب . فكان من الطبيعي أن يسيطر رجال الكنيسة على الإدارة الحكومية في البلاد ويكون لهم أثر كبير في الجهاز السياسي الحاكم ، الأمر الذي جلب لهم من المغانم والمكاسب ما جعلهم ـ في رأي الماركسية ـ طبقة ذات مصالح اقتصادية معيّنة . فالنفوذ الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية إنّما حصلت عن طريق الوجود السياسي ، وأمّا وجودهم السياسي في جهاز الحكم فلم يكن قائماً على أساس ذلك النفوذ الاقتصادي الذي اكتسبوه بعد ذلك ، وإنّا قام على أساس امتيازاتهم الفكرية والإدارية .
ولن يكون التفسير الماركسي للدولة تفسيراً علمياً إذا أمكن أن نفترض : أنّ للعقيدة الدينية تأثيراً في تكوين كثير من الدول والسلطات السياسية التي كانت