اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٥ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
يفكّر في شيءٍ غائب عن حسّه . فلكي يكون الإنسان كائناً مفكّراً لا بدّ من أن توجد له منبّهات وراء نطاق الإحساسات ، نطاق المنبّهات الطبيعية .
* * *
ولنفترض أنّ هذا كلّه صحيح ، فهل يعني ذلك أنّ اللغة هي أساس وجود الفكر في الحياة الإنسانية ؟ كلاّ ، فإنّ إشراط شيء معيّن بالمنبّه الطبيعي لكي يكون منبّهاً شرطياً يحصل تارة بصورة طبيعية ، كما إذا اتفق أن اقترنت رؤية الماء بصوت معيّن أو بحالة نفسية معيّنة مرّات عديدة ، حتى أصبح ذلك الصوت أو هذه الحالة منبهاً شرطياً يُطلِق نفس الاستجابة التي كان يُطلقها الإحساس بالماء ، فالإشراط في هذه الحالات إشراط طبيعي . ويحصل هذا الإشراط تارة أخرى نتيجة لقصد معيّن ، كما في سلوكنا مع الطفل ؛ إذ نقدّم له شيئاً كالحليب ونكرر له اسمه ، حتى يربط بين الكلمة والشيء ، ويصبح الاسم منبّهاً شرطياً للطفل نتيجة للطريقة التي اتبعناها معه .
ولا شكّ في أنّ عدّة من الأصوات والأحداث قد اقترنت بمنبّهات طبيعية عبر حياة الإنسان ، وأشرطت بها إشراطاً طبيعياً ، وأصبحت بذلك تُطلق استجابات معيّنة في ذهن الإنسان . وأمّا أدوات اللغة ـ على وجه العموم ـ وألفاظها التي تمّ إشراطها خلال عملية اجتماعية فهي إنّما أشرطت نتيجة لحاجة الإنسان إلى التعبير عن أفكاره ونقلها إلى الآخرين ، أي إنّها وجدت في حياة الإنسان لأنّه كائن مفكّر يريد التعبير عن أفكاره ، لا أنّ الإنسان أصبح كائناً مفكّراً بسبب أنّ اللغة وجدت في حياته ، وإلاّ فلماذا وجدت في حياته خاصة ولم توجد في حياة سائر أنواع الحيوان ؟!
فاللغة ليست أساس الفكر ، وإنّما هي أسلوب خاص للتعبير عنه ، اتخذه الإنسان منذ أبعد العصور حين وجد نفسه ـ وهو يخوض معركة الحياة مع أفراد آخرين ـ بحاجة ملحّة إلى التعبير عن أفكاره ، وتفّهم أفكار الآخرين في