اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٩ - ٢- الفكر والماركسية
تأريخية تتكيّف اقتصادياً وفقاً لأساليبها في الإنتاج ، وتساهم في الحركة العلمية في المدى الذي يفرضه واقعها الاقتصادي ، وحاجاتها المادّية النابعة من هذا الواقع . فاكتشاف العلم للقوّة البخارية المحرّكة في أواخر القرن الثامن عشر مثلاً ، كان وليد الظروف الاقتصادية ، ونتيجة لحاجة الإنتاج الرأسمالي إلى قوّة ضخمة لتحريك الآلات التي يعتمد عليها هذا الإنتاج . وكذلك سائر الكشوف والتطوّرات ، التي يحفل بها تأريخ العلم .
وقد ذكر ( روجيه غارودي ) لإيضاح تبعية العلوم للوضع الاقتصادي والتكنيكي للقوى المنتجة : أنّ المستوى التكنيكي الذي تبلغه القوى المنتجة هو الذي يضع أمام العلم قضايا ويحتّم عليه بحثها وحلّها ، فيتقدّم ويتكامل وفقاً لمّا يعالجه من هذه القضايا النابعة من تطوّر القوى المنتجة ، ووضعها الفني والتكنيكي . وعلى هذا الأساس يفسّر لنا ( غارودي ) ، كيف أن اكتشافاً واحداً قد يتوصّل إليه عدّة علماء في آن واحد ، كاكتشاف التعادل بين الحرارة والعمل الذي حقّقه علماء ثلاثة في وقت واحد ، وهم : ( كارنو ) في فرنسا ، و( جول ) في إنكلترا ، و( ماير ) في ألمانيا . وكما يقدّم تطوّر القوى المنتجة بين يدي العلم القضايا التي يجب عليه حلّها ، كذلك يعبّر لنا ( غارودي ) عن وجه آخر من تبعية العلوم لوضع القوى المنتجة ، وهو أن تطوّرها يهيئ للعلم أدوات البحث التي يستخدمها ، ويؤمّن له مجموعة الأدوات الضرورية للمراقبة والاختبار [١] .
وفيما يلي نلخّص ملاحظاتنا على هذا الموقف الماركسي في تفسير العلم :
أ ـ إذا استثنينا العصر الحديث ، نجد أنّ المجتمعات التي سبقته إلى الوجود كانت متقاربة إلى حدٍّ كبير في وسائل الإنتاج وأساليبه ، ولم يكن بينها أيّ فرق
[١] راجع : الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم : ١١ ـ ١٢ .