اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥١ - 2- الفكر والماركسية
الأساسي الوحيد لتأريخ العلم وتطوّراته ، فإنّ كثيراً من الحاجات بقيت تنتظر آلاف السنين كلمة العلم بشأنها ، ولم تستطع بمجرد وجودها في حياة الناس المادّية أن تظفر من العلم بمكسب ، حتى آن للعلم أن يصل إلى الدرجة التي تُتيح له قضاء هذه الحاجة . ولنأخذ المثال على ذلك من كشف علمي قد يبدو الآن تافهاً ولكنّه عبّر في حينه عن تطوّر علمي جديد ، وهو اختراع النظّارات ، فحاجة الناس إلى النظاّرات ـ مثلاً ـ قديمة قدم الإنسان ، ولكنّ هذه الحاجة المادّية بقيت تنتظر دورها حتى جاء القرن الثالث عشر فاستطاعت أوروبا أن تأخذ عن المسلمين معلوماتهم عن انعكاس الضوء وانكساره ، وبالتالي تمكّن العلماء على أساس هذه المعلومات أن يصنعوا النظّارات [١] ، فهل كان هذا الحدث العلمي وليد حاجة جديدة نبعت عن الواقع الاقتصادي والمادّي للمجتمع ؟! أو كان نتيجة لعوامل فكرية استطاعت أن تؤدّي إلى اختراع النظّارات عند وصولها إلى درجة معيّنة من تطوّرها وتكاملها ؟!
ولو كان بإمكان الحاجة المنبثقة من الظروف الاقتصادية ، أن تفسّر العلم والكشوف العلمية فكيف يمكن أن نفهم اكتشاف أوروبا لقدرة المغنطيس على تعيين الاتجاه في القرن الثالث عشر ، حين استعملت الإبرة المغناطيسية في إرشاد السفن ؟! مع أنّ الطريق البحري كان هو الطريق الرئيسي للتجارة في قرون خلت ، وكان الرومان يعتمدون في التجارة على طريق البحر بصورة رئيسية ، ولم يتح لهم ـ بالرغم من ذلك ـ أن يكتشفوا للمغناطيس قدرته على توجيه السفن ، ولم تشفع لهم حاجاتهم النابعة من واقعهم الاقتصادي بذلك ، بينما تؤكّد بعض الروايات التأريخية أنّ الصين قد ظفرت بهذا الكشف قبل عشرين قرناً تقريباً [٢] .
[١] الموسوعة العربية الميسّرة ١ : ٢٩ ، والمورد ٥ : ١٥١ .
[٢] تأريخ العلوم عند العرب : ٢٢٩ .