اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٢ - المذهب الاقتصادي
العلمية التي تستخدمها حينما تريد قياس حرارة الجو ، أو درجة الغليان في مائعٍ معيّن ؛ لأنّ الحرارة والتبخّر ظاهرتان طبيعيتان يمكن إخضاعهما للحسّ العلمي ، وأمّا العدالة فتلجأ في تقديرها إلى قيم خُلُقية ومُثُل عُليا خارجة عن حدود القياس المادّي .
فالعدالة إذن ليست فكرة علمية بذاتها ، وهي لذلك حين تندمج بفكرة تدمغها بالطابع المذهبي وتميّزها عن التفكير العلمي . فمبدأ الملكية الخاصة ، أو الحرّية الاقتصادية ، أو إلغاء الفائدة ، أو تأميم وسائل الإنتاج .. كلّ ذلك يندرج في المذهب ؛ لأنّه يرتبط بفكرة العدالة ، وأمّا قانون تناقض الغلّة ، وقانون العرض والطلب ، أو القانون الحديدي للأجور .. فهي قوانين علميّة ؛ لأنّها ليست بصدد تقويم تلك الظواهر الاقتصادية . فقانون تناقص الغلّة لا يحكم بأنّ هذا التناقض عادل أو ظالم ، وإنّما يكشف عنه بوصفه حقيقة موضوعية ثابتة ، كما أنّ قانون العرض والطلب لا يبرّر ارتفاع الثمن بسبب قلّة العرض أو زيادة الطلب على أساس مفهوم معيّن عن العدالة ، وإنّما يبرز الترابط موضوعياً بين الثمن وكمّية العرض والطلب ، باعتباره ظاهرة من الظواهر الحتميّة للسوق الرأسمالية ، وكذلك الأمر في قانون الأجور الحديدي ، فهو يشرح الواقع المحتوم للعمّال الذي يجعلهم دائماً لا يحصلون في المجتمع الرأسمالي إلاّ على معيشة الكفاف ، بقطع النظر عمّا إذا كانت ضآلة نصيب العمّال في التوزيع تتّفق مع العدالة أو لا .
فكلّ القوانين العلمية لا ترتكز على فكرة العدالة ، وإنّما ترتكز على استقراء الواقع وملاحظة مختلف ظواهره المتنوعة . وعلى العكس من ذلك القواعد المذهبية التي تجسّد دائماً فكرة معيّنة للعدالة .
وهذا الفصل الحاسم بين البحث المذهبي والبحث العلمي لا يمنع عن اتخاذ المذهب إطاراً للبحث العلمي في بعض الأحيان ، كما في قوانين العرض والطلب