اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١٦ - موقف المذهب الرأسمالي تجاه الحرّية الاجتماعية
الإنسان هي الحرّية الطبيعية لا الاجتماعية التي تُمنح وتُسلب تبعاً للمذهب الاجتماعي السائد .
وقد يقال : إنّ الحرّية بمدلولها الاجتماعي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان ، وحاجة من حاجاته الجوهرية . فالإنسان بوصفه يتمتّع بالحرّية الطبيعية يميل ذاتياً إلى أن يكون حرّاً من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين ، كما كان حرّاً من الناحية الطبيعية . ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يعترف بالنزعات والميول الأصيلة في الإنسان ويضمن إشباعها ؛ لكي يصبح مذهباً واقعياً ينسجم مع الطبيعة الإنسانية التي يعالجها ويشرّع لها ، فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الإنسان نزعته الأصلية إلى الحرّية .
وهذا صحيح إلى حدٍّ ما ، ولكنّنا نقول من الناحية الأخرى : أنّ من وظيفة المذهب الاجتماعي الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة من النفس البشرية ، أن يعترف بمختلف النزعات الأصلية في الإنسان ، وبحاجاته الجوهرية المتنوّعة ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها . وليس من المستساغ ـ لكي يكون المذهب واقعياً وإنسانياً ـ أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة ويضمن إشباعها إلى أقصى حدّ على حساب النزعات الأخرى .
فالحرّية ـ مثلاً ـ وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان ؛ لأنّه يرفض بطبعه القسر والضغط والإكراه ، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية وميولاً أصيلة أخرى ، فهو بحاجة ماسة ـ مثلاً ـ إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ؛ لأنّ القلق يرعبه ، كما ينغّصه الضغط والإكراه . فإذا فقد كلّ الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤدّيها له في حياته ومعيشته خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية ، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة .
كما أنّه إذا خسر حرّيته تماماً ، وقام جهاز اجتماعي يملي عليه إرادته