اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٣ - 3 ـ الإطار العام للاقتصاد الإسلامي
الفتوحات العلمية ، وانتصر في جميع معاركه مع الطبيعة ، لقادرٌ ـ بما أوتي من علمٍ وبصيرة ـ أن يبني المجتمع المتماسك السعيد ، ويضع التنظيم الاجتماعي الذي يكفل المصالح الاجتماعية للإنسانية ، فلم يعد الإنسان بحاجة إلى مصدر يستوحي منه موقفه الاجتماعي سوى العلم الذي قاده من نصرٍ إلى نصرٍ في كلّ الميادين .
وهذا الزعم في الواقع لا يعني إلاّ الجهل بوظيفة العلم في الحياة الإنسانية ؛ فإنّ العلم مهما نما وتطوّر ليس إلاّ أداة لكشف الحقائق الموضوعية في مختلف الحقول ، وتفسير الواقع تفسيراً محايداً يعكسه بأعلى درجة ممكنة من الدقّة والعمق . فهو يعلّمنا مثلاً في المجال الاجتماعي : أنّ الرأسمالية تؤدّي إلي تحكّم القانون الحديدي بالأجور وخفضها إلى المستوى الضروري للمعيشة ، كما يعلّمنا في المجال الطبيعي أنّ استعمال مادة كيمياوية معينة يؤدّي إلى تحكم مرض خطير بحياة الشخص . والعلم حين يبرز لنا هذه الحقيقة أو تلك يكون قد قام بوظيفته وأتحف الإنسانية بمعرفة جديدة ، ولكن شبح هذا المرض الخطير أو ذلك القانون الرهيب ( قانون الأجور الحديدي ) ، لا يتلاشى لمجرّد أنّ العلم اكتشف العلاقة بين تلك المادة المعينة والمرض ، أو بين الرأسمالية والقانون الحديدي ، بل إنّ الإنسان يتخلّص من المرض بالتجنب عمّا يؤدّي إليه ، ويتخلص من القانون الحديدي للأجور بمحو الإطار الرأسمالي للمجتمع .
وهنا نتساءل ما الذي يضمن أن يتخلّص الإنسان من ذلك المرض ، ومن هذا الإطار ؟ والجواب فيما يتّصل بالمرض واضح كلّ الوضوح ، فإنّ الدافع الذاتي عند الإنسان يكفي وحده لإبعاده عن تلك المادّة الخاصة التي كشف العلم عن نتائجها الخطيرة ؛ لأنّه يناقض المصلحة الخاصة للفرد . وأمّا فيما يتّصل بالقانون الحديدي للأجور وإزالة الإطار الرأسمالي فإن الحقيقة العلمية التي