اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٩٣ - 2 ـ التوازن الاجتماعي
وعلى هذا الضوء نستطيع أن نحدّد مفهوم الغنى والفقر عند الإسلام بشكل عام . فالفقير هو : من لم يظفر بمستوى من المعيشة يمكّنه من إشباع حاجاته الضرورية وحاجاته الكمالية ، بالقدر الذي تسمح به حدود الثروة في البلاد . أو هو بتعبير آخر : من يعيش في مستوى تفصله هوّة عميقة عن المستوى المعيشي للأثرياء في المجتمع الإسلامي . والغني من لا تفصله في مستواه المعيشي هذه الهوّة ، ولا يعسر عليه إشباع حاجاته الضرورية والكمالية بالقدر الذي يتناسب مع ثروة البلاد ، ودرجة رقيّها المادّي ، سواء كان يملك ثروة كبيرة أم لا .
وبهذا نعرف أنّ الإسلام لم يعط للفقر مفهوماً مطلقاً ، ومضموناً ثابت في كلّ الظروف والأحوال ، فلم يقل مثلاً : إنّ الفقر هو العجز عن الإشباع البسيط للحاجات الأساسية . وإنّما جعل الفقر بمعنى عدم الالتحاق في المعيشة بمستوى معيشة الناس ، كما جاء في النصّ . وبقدر ما يرتفع مستوى المعيشة يتّسع المدلول الواقعي للفقر ؛ لأنّ التخلّف عن مواكبة هذا الارتفاع في مستوى المعيشة يكون فقراً عندئذٍ . فإذا اعتاد الناس مثلاً على استقلال كلّ عائلة بدار ، نتيجة لاتساع العمران في البلاد ، أصبح عدم حصول عائلة على دار مستقلّة لوناً من الفقر ، بينما لم يكن فقراً ، حينما لم تكن البلاد قد وصلت إلى هذا المستوى من اليُسر والرخاء .
وهذه المرونة في مفهوم الفقر ترتبط بفكرة التوازن الاجتماعي ، إذ أنّ الإسلام لو كان قد أعطى ـ بدلاً عن ذلك ـ مفهوماً ثابتاً للفقر ، وهو العجز عن الإشباع البسيط الحاجات الأساسية ، وجعل من وظيفة الزكاة وما إليها علاج هذا المفهوم الثابت للفقر ، لما أمكن العمل لإيجاد التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة عن طريقها ، ولاتسعت الهوّة بين مستوى عوائل الزكاة وما إليها ، ومستوى المعيشة العام للأغنياء ، الذي يزحف ويرتفع باستمرار ؛ تبعاً للتطوّرات المدنية في البلاد وزيادة الثروة الكلّية . فإعطاء مفاهيم مَرِنة للفقر والغنى ، ووضع