اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٠٢ - التوافق المزعوم بين المصالح العامة والمصالح الذاتية
عواطفه ومشاعره ودوافعه وبواعثه . فإنّ الأخلاق ليست ذات قيمة موضوعية فحسب ، بل هي ذات قيمة ذاتية أيضاً لا تقل عن قيمتها الموضوعية في تكميل الحياة الإنسانية ، وإشاعة روح السعادة والهناء النفسي فيها . وسوف نبحث في الفصل المقبل مسألة الدوافع الذاتية وعلاقتها بالمصالح العامة بصورة أوسع .
ولندع الآن آثار الحرّية الرأسمالية في المحتوى الداخلي للمجتمع الرأسمالي ، ولنفترض ـ مع الأسطورة الرأسمالية ـ : أنّ الدوافع الذاتية تضمن بنفسها تحقيق المصالح العامة ، فهل يمكن لهذا الخيال المجنّح أن يقول مثل ذلك عن مصالح مختلف المجتمعات ، وأن يزعم التوافق بين المصالح الخاصة للمجتمع الرأسمالي وغيره من المجتمعات البشرية ؟ وماذا يمنع المجتمع الرأسمالي ـ إذا كان يؤمن بالحرّية الرأسمالية مجرّدة عن كلّ الإطارات الروحية والخُلُقية ـ أن يسخّر سائر الكتل البشرية لحسابه ، ويستعبدها لقضاء مآربه ؟
والواقع التأريخي للرأسمالية هو الذي يجيب على هذا السؤال ، فقد قاست الإنسانية أهوالاً مروعة على يد المجتمعات الرأسمالية نتيجة لخوائها الخُلُقي وفراغها الروحي ، وطريقتها الخاصة في الحياة . وسوف تبقى تلك الأهوال وصمة في تأريخ الحضارة المادّية الحديثة ، وبرهاناً على أنّ الحرّية الاقتصادية التي لا تحدّها حدود معنوية من أفتك أسلحة الإنسان بالإنسان ، وأفظعها إمعاناً في التدمير والخراب . فقد كان من نتاج هذه الحرّية مثلاً تسابق الدول الأوروبية بشكل جنوني على استعباد البشر الآمنين ، وتسخيرهم في خدمة الإنتاج الرأسمالي . وتأريخ أفريقيا وحدها صفحة من صفحات ذلك السباق المحموم ، تعرّضت فيه القارّة الأفريقية لطوفان من الشقاء ، إذ قامت دول عديدة كبريطانيا وفرنسا وهولندا وغيرها ، باستيراد كمّيات هائلة من سكّان أفريقيا الآمنين وبيعهم في سوق الرقيق ، وتقديمهم قرابين للعملاق الرأسمالي . وكان تجّار تلك البلاد