اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩٨ - تمهيد
كبيرة من الأرض ، غنيّة بالعيون والمناجم والثروات الطبيعية ، بعيداً عن المنافسة والمزاحمة ، وندرس سلوكه وما يمارسه من ألوان الحيازة .
إنّ إنساناً كهذا لن يفكّر في الاستيلاء على مساحة كبيرة من الأرض ، وما فيها من مناجم وعيون وحمايتها ؛ لأنّه لا يجد داعياً إلى هذا الحماية ، ولا فائدة يجنيها منها في حياته ، مادامت الأرض بخدمته في كلّ حين ، لا ينافسه فيها أحد ، وإنّما ينصرف مباشرة إلى إحياء جزء من الأرض يتناسب مع مستوى قدرته على الاستثمار .
ولكنّه بالرغم من أنّه لا يفكر في حيازة مساحات كبيرة من الأرض ، يمارس دائماً حيازة الماء بنقله إلى كوزه ، والحجر يحمله إلى كوخه ، والخشب يوقد عليه النار ؛ لأنّه لا يتاح له الانتفاع بهذه الأشياء في حياته إلاّ بحيازتها ، وإعدادها في متناول يده .
فحيازة الأرض وغيرها من مصادر الطبيعة لا معنى لها ـ إذن ـ عندما تنعدم المنافسة ، بل الإحياء وحده في هذا الحال هو العمل الذي يمارسه الفرد في الطبيعة لاستثمارها والانتفاع بها . وإنّما تكتسب حيازة الأرض قيمتها عندما توجد المنافسة على الأرض ، وتشتدّ فينطلق كلّ فرد للاستيلاء على أوسع مساحة ممكنة من الأرض وحمايتها من الآخرين . وهذا يعني أنّ حيازة الأرض وما إليها من مصادر الطبيعة ليست عملاً ذا صفة اقتصادية من أعمال الانتفاع والاستثمار ، وإنّما هي عملية تحصين لمورد طبيعي وحمايته من تدخّل الآخرين فيه .
وعلى العكس من ذلك حيازة الخشب والحجر والماء ، فإنّها ليست عمل قوّة ، وإنّما هي بطبيعتها عمل اقتصادي من أعمال الانتفاع والاستثمار . ولهذا رأينا أنّ الإنسان المنفرد في حياته يمارس هذا اللون من الحيازة بالرغم من تحرّره عن كلّ دافع من دوافع القوّة واستعمال العنف .
وهكذا نعرف أنّ حيازة الأشياء المنقولة من ثروات الطبيعة ليست مجرّد عمل من أعمال القوّة ، وإنّما هي في الأصل عمل