اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٥٨ - الصلة بين الإنتاج والتداول
منتِج الصوف لا يبيع الصوف مباشرة لمنتِج الحنطة في مثالنا السابق ، بل أخذ شخص ثالث يقوم بدور الوساطة بينهما ، فيشتري الكمّيّات المنتَجة من الصوف ، لا لاستهلاكها في حاجته الخاصة ، بل لإعدادها وجعلها في متناول أيدي المستهلكين . فبدلا عن أن يتّصل منتج الحنطة بمنتج الصوف ابتداءً ، أصبح يلتقي بهذا الوسيط الذي أعدّ الصوف في السوق وهيأه للبيع ، ويتّفق معه على الشراء . ومن هنا نشأت عمليات التجارة وأصبح الوسيط يوفّر كثيراً من الوقت والجهد على المنتِجين والمستهلِكين .
وفي هذا الضوء نعرف أنّ التداول أو نقل الملكية في كلا الدورين ـ دور التقاء المنتجين مباشرة ودور الوسيط التاجر ـ كان يسبقه عمل من أعمال الإنتاج ، ممّن ينقل ملكية المال إلى غيره ويحصل على ثمنه . ففي الدور الأوّل : كان منتِج الصوف يمارس بنفسه عملية إنتاج الصوف ، ثمّ يبيعه وينقل ملكيته إلى آخر بعِوض . وفي الدور الثاني : كان الوسيط يمارس عملية نقل الصوف إلى السوق ، والمحافظة عليه وإعداده في متناول يد المستهلك متى أراد . وهذا لون من الإنتاج كما عرفنا قبل لحظات .
وهذا يعني أنّ الفوائد التي يجنيها البائع من نقل ملكية المال إلى غيره بعوض ـ وهي ما نسمّيه الآن بالأرباح ـ كانت نتيجة لعمل إنتاجي يمارسه البائع ، ولم تكن نتيجة لنفس عملية نقل الملكية .
ولكن سيطرة الدوافع الأنانية على التجارة أدّت إلى تطوّيرها وانحرافها عن وضعها الطبيعي ، الذي كان ناتجاً عن حاجة موضوعية سليمة ، وبخاصة في عصر الرأسمالية الحديثة ونتج عن ذلك انفصال التداول والتبادل في كثير من الأحيان عن الإنتاج ، وأصبح نقل الملكية عملية تقصد لذاتها دون أن يسبقها أيّ عمل