اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦١ - المذهب الاقتصادي
الممارس حقّاً في الاختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة قد يكون أحياناً شرطاً ضرورياً من الناحية الفنّية لعلمية الاكتشاف التي يحاولها هذا الكتاب ، وليس أمراً جائزاً فحسب أو لوناً من الترف والتكاسل عن تحمّل أعباء ومشاقّ الاجتهاد في أحكام الشريعة . فإنّ من المستحيل في بعض الحالات اكتشاف النظرية الإسلامية والقواعد المذهبية في الاقتصاد شاملةً كاملةً منسجمة مع بنائها العُلْوي وتفصيلاتها التشريعية وتفريعاتها الفقهية إلاّ على أساس المجال الذاتي للاختيار .
وأنا أقول هذا نتيجة لتجربة شخصية عشتها في فترة إعداد هذا الكتاب ، ولعلّ من الضروري أن أجلّيها هنا لأبرز إحدى المشاكل التي يعانيها البحث في الاقتصاد الإسلامي غالباً ، وطريقة تغلّب هذا الكتاب عليها بممارسة المجال الذاتي الآنف الذكر الذي منح لنفسه حقّ ممارسته .
فمن المتّفق عليه بين المسلمين اليوم : أنّ القليل من أحكام الشريعة الإسلامية هو الذي لا يزال يحتفظ بوضوحه وضرورته وصفته القطعية ، بالرغم من هذه القرون المتطاولة التي تفصلنا عن عصر التشريع . وقد لا تتجاوز الفئة التي تتمتّع بصفة قطعية من أحكام الشريعة ، الخمسة في المئة من مجموع الأحكام التي نجدها في الكتب الفقهية .
والسبب في ذلك واضح ؛ لأنّ أحكام الشريعة تؤخذ من الكتاب والسنة ، أي : من النص التشريعي ، ونحن بطبيعة الحال نعتمد في صحة كلّ نصّ على نقل أحد الرواة والمحدّثين ـ باستثناء النصوص القرآنية ومجموعة قليلة من نصوص السنّة التي ثبتت بالتواتر واليقين ـ ومهما حاولنا أن ندقّق في الراوي ووثاقته وأمانته في النقل فإنّنا لن نتأكّد بشكلٍ قاطع من صحّة النصّ ما دمنا لا نعرف مدى أمانة الرواة إلاّ تأريخياً ، لا بشكلٍ مباشر ، وما دام الراوي الأمين قد يخطئ ويقدّم