اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٣ - ٣ ـ النظرية بما هي عامّة
المسألة على الوجه التالي : هل أنّ اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكّراً بصفتها ظاهرة اجتماعية معيّنة كما يقرّر بولتزير ، أو أنّها وُجدت في حياة الإنسان المفكّر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين ؟ ونحن لا نستطيع أن نأخذ بالتقدير الأوّل الذي حاول( بولتزير ) التأكيد عليه ، حتى حين ننطلق في البحث من تجارب (بافلوف) والقاعدة التي وضعها عن المنبّهات الطبيعية والشرطية .
* * *
ولكي نكون أكثر وضوحاً يجب إعطاء فكرة مبسّطة عن آراء ( بافلوف) [١] ، وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً ، فإنّ هذا العالم الشهير استطاع أن يدلّل بالتجربة على أن شيئاً معيّناً إذا ارتبط بمنبّه طبيعي اكتسب نفس فعاليته ، وأخذ يقوم بدوره ، ويُحدِث نفس الاستجابة التي يُحدِثها المنبّه الطبيعي . فتقديم الطعام إلى الكلب ـ مثلاً ـ منبّه طبيعي يُحدث فيه استجابةً معيّنة ، إذ يسيل لعابه أوّل ما يرى الإناء الذي يحتوي على الطعام . وقد لاحظ ذلك ( بافلوف ) ، فأخذ يدقّ جرساً عند تقديم الطعام إلى الكلب ، و كرّر هذا عدّة مرّات ، ثمّ أخذ يدقّ الجرس من دون تقديم الطعام ، فوجد أنّ لعاب الكلب يسيل . واستنتج من هذه التجربة : أنّ دقّ الجرس أصبح يُحدث نفس الاستجابة التي كان المنبّه الطبيعي ( تقديم الطعام ) يُحدثها ، ويؤدّي نفس دوره بسبب اقترانه واشتراطه به عدّة مرّات ، ولهذا أطلق على دقّ الجرس أسم :( المنبّه الشرطي ) وسمّى تحلّب اللعاب وسَيَلانه الذي يحدث بسبب دقّ الجرس : ( استجابة شرطية ) .
وعلى هذا الأساس حاول جماعة أن يفسّروا الفكر الإنساني كلّه تفسيراً
[١] راجع نظريّته مفصّله في : المدخل إلى علم النفس الحديث : ٧٧ ـ ٨٧ .