اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٢٩ - 2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود
الإسلامي للمجتمع . فإحياء الأرض ، واستخراج المعادن ، وشقّ الأنهار ، وغير ذلك من ألوان النشاط والاتجار .. أعمال مباحة سمحت بها الشريعة سماحاً عاماً ووضعت لكلّ عمل نتائجه الشرعية التي تترتّب عليه ، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع عن القيام بشيء من تلك التصرفات أو يأمر به ـ في حدود صلاحياته ـ كان له ذلك ، وفقا ًللمبدأ الآنف الذكر .
وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يطبّق مبدأ التدخّل هذا حين تقضي الحاجة ويتطلّب الموقف شيئاً من التدخّل والتوجيه . ومن أمثلة ذلك : ما جاء في الحديث الصحيح عنه (صلى الله عليه وآله) :
( من أنّه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل : أنّه لا يمنع نفع الشيء . وقضى بين أهل البادية : أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ ، وقال : لا ضرر ولا ضرار ) [١] .
فإنّ من الواضح لدى الفقهاء أنّ منع نفع الشيء أو فضل الماء ليس محرّماً بصورة عامة في الشريعة المقدسة . وفي هذا الضوء نعرف أنّ النبي لم يحرّم على أهل المدينة منع نفع الشيء ، أو منع فضل الماء بصفته رسولاً مبلّغاً للأحكام الشرعية العامة ، وإنّما حرّم ذلك بوصفه وليِّ الأمر المسئول عن تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامة التي يقدّرها . وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبّر عن تحريم النبيِّ (صلى الله عليه وآله) : بالقضاء لا بالنهي ، نظراً إلى أنّ القضاء لون من الحكم [٢] .
[١] وسائل الشيعة ٢٥ : ٤٢ ، الباب ٧ من أبواب إحياء الموات ، الحديث ٢ .
[٢] وقد اعتقد بعض الفقهاء [ مسالك الأفهام ١٢ : ٤٤٦ ، وجواهر الكلام ٣٨ : ١١٩ ] في قضاء النبيّ ( بأنّ لا يمنع فضل الماء أو نفع الشيء ) : أنّه نهي كراهة لا نهي تحريم . وإنّما اضطروا إلى هذا النوع من التأويل وانتزاع طابع الحتم والوجوب عن قضاء النبيّ ، اعتقاداً =