اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٢٨ - 2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود
وثانياً : وضعت الشريعة مبدأ إشراف وليِّ الأمر على النشاط العام وتدخّل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها بالتحديد من حرّيات الأفراد فيما يمارسون من أعمال . وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضرورياً لكي يضمن تحقيق مُثُله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعية على مرّ الزمن . فإنّ متطلّبات العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الإسلام تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للمجتمع ، والأوضاع المادّية التي تكتنفه ، فقد يكون القيام بعمل مضرّاً بالمجتمع وكيانه الضروري في زمان دون زمان ، فلا يمكن تفصيل ذلك في صِيَغٍ دستورية ثابتة ، وإنّما السبيل الوحيد هو فسح المجال لوليِّ الأمر ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة وموجّهة ومحدّدة لحرّيات الإفراد فيما يفعلون أو يتركون من الأمور المباحة في الشرع ، وفقاً للمثل الإسلامي في المجتمع .
والأصل التشريعي لمبدأ الإشراف والتدخّل هو القرآن الكريم ، في قوله تعالى :
( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) [١] .
فإنّ هذا النصّ دلّ بوضوح على وجوب إطاعة أولي الأمر . ولا خلاف بين المسلمين في أنّ أولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الإسلامي ، وإن اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم ، فللسلطة الإسلامية العليا ـ إذن ـ حقّ الطاعة والتدخّل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه ، على أن يكون هذا التدخّل ضمن دائرة الشرعية المقدّسة . فلا يجوز للدولة أو لولي الأمر أن يحلّل الرِّبا ، أو يجيز الغش ، أو يعطّل قانون الإرث ، أو يلغي ملكية ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي .. وإنّما يُسمح لولي الأمر في الإسلام بالنسبة إلى التصرفات والأعمال المباحة في الشريعة أن يتدخّل فيها ، فيمنع عنها أو يأمر بها وفقاً للمثل
[١] سورة النساء : ٥٩ .