اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٤ - 4 ـ النظـرية بتفاصيـلها
ووجدت عند التجاريين ، لو لم تقم حركة تجريد العمال من وسائلهم المنتجة ، واغتصابها لحساب التجاريين ؟!
وردّنا على هذا القول يتلخّص في وجوه :
فأوّلاً : إنّ هذا الوصف لا ينطبق على المجتمعات التي قامت فيها الرأسمالية على أكتاف الطبقة الإقطاعية ، كما اتفق في ألمانيا مثلاً ، إذ قام عدد كبير من الإقطاعيين بتشييد المصانع ومباشرة إدارتها وتمويلها بما كانوا يحصلون عليه من ريع إقطاعي . فليس من الضروري أن يحدث التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية على إثر حركة اغتصاب جديد ، ما دام يمكن للإقطاعيين أنفسهم أن يباشروا الإنتاج الرأسمالي على أساس ما يملكون من ثروات إقطاعية ، تمّ لهم استملاكها في مطلع التأريخ الإقطاعي .
وكما لا ينطبق الوصف الماركسي على الرأسمالية الصناعية التي نشأت على أكتاف الطبقة الإقطاعية ، كذلك لا ينطبق على الرأسمالية الصناعية التي تكوّنت من الرِّباح التجارية ، كما وقع في الجمهوريّات التجارية الإيطـالية كـ ( البندقية ) ، و( جنوا ) و( فلورنسة ) وغيرها . فإنّ طبقة من التجاريين وجدت في هذه المدن قبل أن يخلق أجراء الصناعة ، أي قبل أن يوجد النظام الرأسمالي بمعناه الصناعي الذي يفتّش ماركس عن جذوره ، فكان الصنّاع يعملون لحسابهم الخاص ، وكان أولئك التجّار يشترون منهم منتوجاتهم للاتّجار بها ، فيجنون الرِّباح الطائلة عن طريق التجارة مع الشرق ، التي ازدهرت في أعقاب الحروب الصليبية . وازداد مركزهم التجاري نجاحاً بتمكّنهم من احتكار التجارة مع الشرق عن طريق التفاهم مع سلاطين المماليك أصحاب السيادة على مصر والشام ، فتضاعفت أرباحهم ، واستطاعوا عن هذا الطريق أن يتخلّصوا من سلطة الإقطاع ، وبالتالي أن يشيّدوا المصانع الكبيرة التي اكتسحت ـ بالمنافسة ـ الصناعات