اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٠ - 2- الفكر والماركسية
وان تُنشأ حركة الإصلاح الديني في أكثر المجتمعات الأوروبية تطوّراً ونموّاً من الناحية البورجوازية . مع أنّ الواقع التأريخي يختلف عن ذلك تماماً .
فالمسيحية لم تنشأ في نقاط التمركز السياسي ، ولم تولد في أحضان الرومان الذين بنوا الدولة العالمية وكانوا يعبّرون في نشاطاتهم عنها ، وإنّما نشأت بعيدة عن ذلك كلّه في إقليم من الأقاليم الشرقية المستعمرة للرومان ، ونمت بين شعب يهودي مضطهد ، لم يكن ـ منذ استعمرته الإمبراطورية على يد القائد الروماني ( بمبي ) قبل الميلاد بستة عقود ـ يحلم إلاّ بالاستقلال القومي ، وتحطيم الأغلال التي تربطه بالمستعمرين ، الأمر الذي كلّفه كثيراً من الثورات وعشرات الألوف من الضحايا خلال تلك العقود الستة ، فهل كانت ظروف هذا الشعب المادّية والسياسية والاقتصادية جديرة بأن تتمخّض عن الدين العالمي الذي يلبّي حاجات الإمبراطورية المستعمرة ؟!
وحركة الإصلاح الديني التي نشأت عن طلائع التحرّر الفكري في أوروبا ، هي الأخرى لم تكن وليدة القوى البورجوازية وإن حصلت منها البورجوازية على مكاسب ، غير أنّ هذا لا يعني أنّها بوصفها إيديولوجية معيّنة قد نشأت عن مجرد التطوّر الاقتصادي البورجوازي ، وإلاّ لكانت إنكلترا أجدر بها من البلاد التي انبثقت عنها حركة الإصلاح ؛ لأنّ البورجوازية في إنكلترا كانت أقوى منها في أيّ بلد أوروبي آخر . والتطور الاقتصادي والسياسي الذي أحرزته خلال ثورات منذ عام (١٢١٥) جعلها في موضع لا تصل إلى مستواه البلدان الأخرى ، وبالرغم من ذلك لم يظهر ( لوثر ) في إنكلترا استجابة للوعي البورجوازي فيها ، وإنّما ظهر بعيداً عنها ، ومارس نشاطه ودعوته في ألمانيا [١] ،
[١] راجع : قصّة الحضارة ٢٤ : ١٧٠ وما بعدها .