اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٨ - 2- الفكر والماركسية
يدخل غنيّ إلى ملكوت الله ) [١] .
ونجد الماركسية أحياناً أخرى تشرح تفسيرها الطبقي للدين بطريقة ثانية ، فتزعم أنّ الدين نابع من أعماق اليأس والبؤس اللذين يملآن نفوس الطبقة المضطهَدة . فالمضطهدون هم الذين ينسجون لأنفسهم الدين الذي يجدون فيه السَّلوَة ، ويستشعرون في ظلّه الأمل . فالدين إيديولوجية البائسين والمضطهَدين ، وليس من صنع الحاكمين .
ومن حسن الحظّ أن نعلم من تأريخ المجتمعات البدائية أنّ الدين ليس من الظواهر الفكرية للمجتمعات الطبقية فحسب ، بل إنّ المجتمعات البدائية التي تحسبها الماركسية تعيش في حالة شيوعية لا طبقية قد مارست هذا اللون من التفكير ، وظهرت فيها العقيدة الدينية بأشكال شتّى . فلا يمكن أن يفسّر الدين تفسيراً طبقياً أو أن يعتبر انعكاسا عقلياً لظروف الاضطهاد التي تحيط بالطبقة المستغَلّة ، ما دام قد وجد في حياة الإنسان العقلية قبل أن يوجد التركيب الطبقي ، وقبل أن يغرق الوادي بدموع البائسين والمستغَلّين . فكيف تستطيع الماركسية بعد هذا أن تجعل من الوضع الاقتصادي أساساً لتفسير الدين ؟!
وهناك شيء آخر ، فإنّ الدين إذا كان إيديولوجية المضطهَدين النابعة من واقعهم السيّئ وظروفهم الاقتصادية ، كما تزعم الماركسية في طريقتها الثانية في التفسير .. فكيف يمكن أن نفسّر وجود العقيدة الدينية منفصلة عن الواقع السيّئ ، وظروف الاضطهاد الاقتصادي ؟! وكيف أمكن لغير المضطهَدين ، أن يتقبّلوا من الطبقة المضطهدة إيديولوجيتها التي نبعت من واقعها الاقتصادي ، ودينها الذي تبشّر به ؟!
[١] الكتاب المقدّس ، إنجيل مرقس ١٠ : ٧٥ .