اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠١ - 3 ـ النظرية بما هي عامّة
والأفكار والملكية ، أو ظواهر الطبيعة كالحرارة والصوت والنور ـ ويحاولان تنظيم تلك الظواهر بصفتها موادَّ للبحث ، واستكشاف أسبابها ، والعوامل الأساسية فيها ... غير أنّهما يختلفان في موقفهما العلمي من تلك الظواهر موضوعة الدرس.
ومرد اختلافهما إلى سببين : فإنّ الباحث التأريخي الذي يريد أن يفسّر المجتمع البشري ونشوءه وتطوّره ومراحله ، في ضوء الظواهر التأريخية والاجتماعية ، لا يستطيع أن يتبيّن هذه الظواهر بصورة مباشرة ، كما يتبين العالم الفيزيائي ٍظواهر الطبيعة التي يدرسها في مختبره الخاص ، وإنّما هو مضطر إلى تكوين فكرة عنها ترتكز على النقل والرواية ، وشتى المخلوقات العمرانية وغيرها من الآثار ، ذات الدلالة الناقصة . فالفرق إذن كبير جداً بين الظواهر الطبيعية التي يرتكز عليها البحث العلمي في العلوم الطبيعية بصفتها المواد الرئيسية له ، وبين الظواهر التأريخية التي يقوم على أساسها البحث التأريخي بصفتها موادَّ أولية له . فالمواد في العلوم الطبيعية ظواهر معاصرة للعالم الطبيعي ، موجودة في مختبره ، يستطيع مشاهدتها وتسليط الضوء العلمي عليها ، وبالتالي وضع تفسير كامل لها .. وعلى العكس من ذلك تماماً المواد التي يملكها الباحث التأريخي ؛ فإنّه لدى محاولة استكشاف العوامل الأساسية في المجتمع وكيفية نشوئه وتطوّره ، مضطرٌ إلى الاعتماد في تكوين مواد البحث ، وفي الاستنتاج والتفسير ، على كثير من الظواهر التأريخية للمجتمع التي لا يستطيع الباحث مشاهدتها إلاّ من خلال النقل والرواية ، أو من خلال بعض الآثار التأريخية الباقية ، ونذكر على سبيل المثال أنجلز ، بوصفه باحثاً تأريخياً حاول في كتابه ( أصل العائلة ) تفسير الظواهر الاجتماعية علمياً ، فاضطر إلى الاعتماد ـ بصورة رئيسية ـ في استنتاجاته على روايات ومزاعم مؤرّخ أو رحّالة معيّن ، هو ( مورغان ) .
وهكذا يختلف البحث التأريخي عن البحث الطبيعي من ناحية المادة