اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٣٤ - وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج
على صعوبات المقايضة ومشاكلها ، بل استخدم للقيام بدور آخر طارئ لا يمتُّ إلى التغلّب على تلك الصعاب والمشاكل بصلة ، وهو دور الاكتناز والادخار . وذلك أنّ دخول النقد في مجال التداول حوّل العملية الواحدة ـ بيع الحنطة بصوف ـ إلى عمليّتين ، وأصبح منتِج الحنطة يبيع منتوجة ثمّ يشتري الصوف ، بعد أن كان يبيع الحنطة ويشتري الصوف في مبادلة واحدة ، وهذا الفصل بين عمليتي بيع الحنطة وشراء الصوف أتاح لبائع الحنطة أن يؤجّل شراء الصوف ، بل جعل في ميسوره أن يبيع الحنطة لا لشيء إلاّ لرغبة في تحويل الحنطة إلى نقد ، والاحتفاظ بالنقد إلى وقت الحاجة . فنشأ عن ذلك دور النقد بوصفه أداة لاكتناز المال وادخاره .
وقد لعب هذا الدور الطارئ للنقد كأداة للاكتناز أخطر لعبة في ظلّ الرأسمالية التي شجعت الادّخار ، وجعلت من الفائدة أكبر قوّة للإغراء بذلك ، فأدّى هذا إلى اختلال التوازن بين الطلب الكلّي والعَرْض الكلّي لمجموع السلع الإنتاجية والاستهلاكية ، بينما كان هذا التوازن مضموناً في عهد المقايضة التي تقوم على أساس المبادلة المباشرة بين المنتجات ، لأنّ المنتج في تلك العهود لم يكن ينتج إلاّ ليستهلك ما ينتجه ، أو يستبدله بسلعة أخرى يستهلكها ، فالسلعة التي تنتج تضمن دائماً طلباً بقدرها فيتساوى الإنتاج والاستهلاك ، أو العرض الكلي مع مجموع الطلب .
وأمّا في عصر النقد بعد انفصال عملية الشراء عن البيع ، فليس من الضروري للمنتج أن يكون لديه طلب يساوي السلعة التي ينتجها ، إذ قد ينتج بقصد أن يبيع ويحصل على نقد ليضيفه إلى ما ادّخره من نقود ، لا ليشتري به سلعة من منتج آخر ، فيوجد في هذه الحال عرض لا يقابله طلب ، ويختلّ لأجل ذلك التوازن بين العرض العام والطلب العام ، ويتعمّق هذا الاختلال بقدر ما تبرز إرادة الاكتناز