اقتصادنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٣٢ - وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج
وذلك عن طريق فرض ضريبة على ما يكنز من النقود الذهبية والفضّية ، التي كانت الدولة الإسلامية تجري على أساسها ، وهي : ضريبة الزكاة ، التي تستنفد المال المدّخر على مرّ الزمن ؛ لأنّها تتكرّر في كلّ عام ، وتقطع كلّ مرّة ربع العشر من المال المدّخر ، ولا تتركه الضريبة حتى تنخفض به إلى عشرين ديناراً . ولأجل هذا تعتبر الزكاة مصادرة تدريجية للمال الذي يكنز ويجمّد عن العمل ، وبالقضاء على الاكتناز هذا تندفع جميع الأموال إلى حقول النشاط الاقتصادي وتمارس دوراً إيجابياً في الحياة الاقتصادية ، وبذلك يكسب الإنتاج كثيراً من تلك الأموال التي كانت تؤثِر بطبيعتها ـ لولا ضريبة المال المكتنز ـ أن تختفي في جيوب أصحابها بدلاً عن المساهمة في المشاريع الصناعية والزراعية وما إليها .
والواقع أنّ منع الإسلام من اكتناز النقود ليس مجرّد ظاهرة عرضية في التشريع الإسلامي ، بل إنّه يعبّر عن أحد أوجه الخلاف الخطير بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي ، ويعكس الطريقة التي استطاع الإسلام بها أن يتخلّص من مشاكل الرأسمالية الناجمة عن شذوذ الدور الرأسمالي للنقد الذي يؤدّي إلى أخطر المضاعفات ، ويهدّد حركة الإنتاج ويعصف بالمجتمع الرأسمالي باستمرار .
ولكي يتّضح الخلاف الخطير بين المذهبين في هذه النقطة ، يجب أن نميز بين الدور الأصيل للنقد والدور الطارئ الذي يمارسه في ظلّ الرأسمالية ، وندرك اختلاف هذين الدورين في نتائجهما وآثارهما على حركة الإنتاج وغيرها .
فالنقد بطبيعته أداة للتبادل ، وقد استخدمه الإنسان في المبادلة تفادياً من مشاكل المقايضة التي كانت تتولّد عن مبادلة المنتجات بشكل مباشر . فقد وجد المنتجون الأوائل ، بعد تقسيم العمل وإقامة حياتهم على أساس المبادلة ، أنّ من الصعب عليهم تبادل منتوجاتهم مباشرة ؛ لأنّ منتِج الحنطة إذا احتاج في حياته